زهرة يوسف احترفت التعامل مع مرض الرعاف الذي استوطن عائلتها
ربما صادفك في فترة المدرسة أو أثناء اللعب أو بالأماكن العامة، أن رأيت طفلا ينزف فجأة من أنفه، وأصابك الذهول والفزع، واعتقدت أنه حادث فردي وطارئ ينتهي بتوقف النزف؛ ولكن في الحقيقة هذه طقوس تتكرر وتحدث مرات عديدة، وروتين حياة فرض على ضحاياه، فهو مرض مزمن يدعى الهيموفيليا أو الرعاف، ويتسبب في سيولة الدم، حيث يؤثر على مقدرة الجسم في السيطرة على تجلط الدم. زهرة يوسف صاحبة إحدى التجارب الملهمة مع هذا المرض الوراثي، الذي استوطن عائلتها بدءًا من الأب ثم الإخوة والأخوات وصولًا إلى زهرة نفسها وولدها عمار ذي الـ 12 ربيعا، وابنتها زينب ذات العشرين عاما، فبينما توقفت الأعراض عن زهرة، إلا أن المرض مازال يمارس طغيانه على ابنها وابنتها، فأصبحت حياتهما مقيدة ومعبئة بالقلق ومهددة في أي لحظة، فلا يمكن أن تتنبأ بحدوثه، ولكنها تعايشت معه واحترفت التعامل معه، ولم تعد تعاني من الرهبة عند حدوثه أو الخوف، وتتعامل مع نوباته بهدوء، وأدارت المرض باقتدار.
في رحلتها مع الهيموفيليا، لا تنسى زهرة يوسف من ساهم في نجاح تجربتها من الطاقم الطبي، فتقدم كل عبارات الشكر والامتنان إلى د. خلود السعد ود. أميرة العريبي؛ على جهودهما واهتمامهما المبذول بكل إخلاص في مساندة المريض وعائلته. كان لـ “صحتنا” هذا اللقاء مع زهرة يوسف لتتحدث عن تجربتها...
بداية حدثينا عن طفليك، ومتى تم اكتشاف إصابتهما بالهيموفيليا؟
لدي ابن وبنت مصابان، البنت اسمها زينب وعمرها عشرين سنة، أصيبت في عمر أربع سنوات، إذ بدأت الحالة عندها بنزيف بعد عملية اللوز لدرجة نزول دمها إلى 5، فاحتاجت لدم، وبدأت المتابعة مع طبيب أمراض الدم لمعرفة الأسباب التي أدت لسرعة النزف، وأخبروني أن لديها ألفا ثلاسيميا، وخميرة، وأما عمار، وحاليا عمره 12 سنة، فابتدأ الرعاف معه في سن مبكرة، فبما أن أخته تتابع مع طبيبة أمراض دم، أخبرتها عنه، فطلبت إحضاره وفحصه؛ نظرًا لأن أخته تعاني من نفس المشكلة (الرعاف).
كيف كان شعورك عندما علمت بتشخيص طفليك بهذا المرض النادر؟
كنت أمًا بعمرٍ صغير، ولم يكن لدي فكرة عن الأمراض ولا ثقافة عما يحدث سوى أنه مرض وراثي، وقد كنت مصابة بالرعاف لعمر معين وتوقف، وكان ذلك في العام 2007، حين كنت حاملا، حيث كنت أنزف صباح كل يوم، فلم أشعر بالخوف ولم تكن هناك متابعة للرعاف، فكنت أتعامل معه بشكل طبيعي، أوقف النزف وينتهي الأمر. ولكن عندما أصبحت أتابع حالة ابنتي مع الأيام، وباهتمام الدكتورة خلود السعد بأدق التفاصيل، كنت أقرأ كل معلومة وكيفية التعامل معها والمسمى الطبي لحالتها. وقد شرحت لي طريقة التعامل مع الرعاف والأشياء الممنوعة عليها في المدرسة ومرافقها وفي حياتها بشكل عام، والمتابعة لأقل تفصيل، والرجوع للمستشفى تحسبا لأي ضرر على صحتها، ونوع الأدوية التي ستحتاجها وفائدتها وأضرارها ومتى نستخدمها، وأعطتني تقريرًا طبيًا بحالتها الصحية، فيما لو احتاجت إلى متابعة بالمستشفى والرجوع إلى الطبيب.
كيف يؤثر مرض الهيموفيليا على حياتكم اليومية في الأسرة؟
أعمل بشكل طبيعي معهما، وأصبحا يعرفان كيف يتعاملان مع الرعاف بالرغم من نزول كمية كبيرة من الدم؛ ولكنها تأقلما مع الوضع خصوصا أنهما ينزفان في الصيف بشكل أكثر بمعدل 4 مرات وفي حالات أقل مرتين. وبخصوص الولد فالسيطرة عليه صعبة من الحوادث والإصابات؛ لأنه مدمن كرة قدم واللعب في درجات حرارة عالية مع أصدقائه، وهذا ما يتسبب في مضايقته من النزيف بسبب الحرارة أو من أقل ضربة.
ما أبرز التحديات التي تواجهونها في الرعاية، سواء في المنزل أو أثناء الذهاب للمستشفى؟
في المنزل تكون الصعوبة في حال تجاوز الوقت الطبيعي لتوقف النزيف، وحين نصل إلى المستشفى تكمن الصعوبة في أنه لابد لي من شرح الحالة مع فترة التأخير في وقت إدخال المريض والتحويل على الطبيب، فكثير من الممرضات في المركز الصحي لا يفهمن المسمى الطبي، فتكون حالة جديدة ونادرة لديهن، والطب تطور، ولكن لحالتهما لازال البروتوكول طويلا، إضافة لحاجتنا المتكررة لتقارير وموافقة على أقل شيء، وهذا يكون بصعوبة مع مواعيد الأطباء والوصول لهم؛ ولكن ولله الحمد لم أحتج لدخول المستشفى في إصابات إلا مرة واحدة لولدي، وكان يحتاج لخياطة لإيقاف النزيف وتوقف، وكان وضعه كأي مريض طبيعي.
كيف تتعاملين مع مخاوف الإصابة أو النزيف أثناء اللعب أو الذهاب إلى المدرسة؟
تسلمت تقريرا طبيا عن حالة الأولاد وذهبت به إلى المدرسة، وشرحت لهم حالته وكيفية التعامل معه، وأخبرتهم أنه ممنوع من الطابور وحصص الرياضة والمقصف والحر، وإذا حدث أي طارئ ومكروه يتوجهون به إلى المستشفى، وكذلك ابنتي زينب حاليا في الجامعة معها تقرير عن حالتها بأنها لا تتوقف في الشمس.
هل هناك دعم نفسي أو اجتماعي تلقيته أو أطفالكِ لمساعدتكم على التعايش مع المرض؟
كان دور الأطباء في شرح حالة أبنائي جيدًا، ولم يكن التعامل معهم صعبًا. لكن الأهم بالنسبة لي كان شعوري باهتمام الجميع: من المستشفى، والأطباء، والمرضى، وحتى أهاليهم. كل هذا الاهتمام، بالإضافة إلى تفهّمهم لحالة أبنائي الصحية، ومساندتهم لنا، وخوفهم عليهم، كان له أثر كبير في دعمي نفسيًا. الحمد لله على كل شيء.
كوني أمًا، فالوضع كان مختلفا تماما؛ إذ يراودني القلق من كل شيء. أفكر كثيرًا في مستقبل أبنائي، وخروجهم، وقيادتهم للسيارة، وغيرها من التفاصيل الصغيرة التي أصبحت مصدر خوف دائم لي، حتى وإن بدا عليّ الهدوء والاطمئنان. ورغم ذلك، فأنا لا أعترض على أقدار الله، بل أؤمن أن ما نمر به هو اختبار من الله لي ولأطفالي.
ما نوع الهيموفيليا التي يعاني منها طفلاك وهل تختلف شدة الأعراض بينهما؟
ما أعرفه أن لديهما خللا وظيفي في “فاكتور 7” الداعم لتخثر الدم، فلا يعمل عندهما، وهذا ما يؤدي إلى سيولة الدم، والأعراض بينهما تقريبا متشابهة؛ ولكن البنت تختلف، ففي فترة الدورة الشهرية تنزف بشكل أكبر من الطبيعي، وتتناول أقراصا تساعد على تخفيف السيولة.
هل يتوافر العلاج بانتظام؟ وما رأيك في الخدمات الطبية المتاحة حاليًا؟
العلاج المخصص لحالات الطوارئ غير متوافر دائمًا، وهذا يؤدي إلى تأجيل العملية التي يحتاجها ابني بشكل متكرر، بسبب نقص الأدوية الضرورية التي يجب أن يتناولها قبل العملية وبعدها لتجنب حدوث النزيف.
هل حصلت على التدريب الكافي للتعامل مع حالات النزيف في المنزل؟
لم يُطرح عليّ أي شيء يتعلق بخطة علاج شاملة، بل اقتصر الأمر على شرح الطبيبة لكيفية التعامل مع حالات النزيف فقط، مثل استخدام الثلج، والضغط على الأنف، وتناول أقراص الأدوية.
ما الرسالة التي تودين توجيهها للأمهات اللواتي لديهن أطفال يعانون من أمراض مزمنة أو نادرة؟
من المهم جدًا عدم تجاهل أي مشكلة صحية مهما بدت بسيطة، بل يجب مراجعة الطبيب في أسرع وقت ممكن. كما أن امتلاك الثقافة الطبية بشأن أي حالة قد تصيب الطفل أمر ضروري، بالإضافة إلى معرفة التاريخ الصحي للعائلة، سواء قبل ظهور الحالة أو بعدها، لأن إهمال أي تفصيل صغير قد يؤثر سلبًا على مستقبل الأبناء.
كيف ترين دور المجتمع والمدرسة في دعم أطفال الهيموفيليا؟
من المهم نشر الوعي في المدارس عبر تقديم محاضرات وتضمين معلومات عن هذا المرض في المناهج الدراسية؛ بهدف تثقيف الطلاب عن أسبابه وأعراضه. كما يجب تأكيد عدم تجاهل أي مرض ذي طابع وراثي؛ لما له من خطورة على صحة الأفراد والأجيال القادمة.
