عالم الصم أجمل ما في الوجود ويمنحني الطمأنينة والأمان
سيد حسن الغريفي: نحن لسنا مختلفين.. وكل شخص في العالم لديه ما ينقصه
في عالم يضج بالأصوات المزدحمة، هناك من يعيش في فوهة الصمت، ولا يدرك لغة الصوت بكل فنونه وتلاوينه؛ ولكن حضورهم طاغ في الحياة؛ فليس كل صمت غيابا. سيد حسن الغريفي أحد هؤلاء الذين أتقنوا تذوق الحياة بلا صوت، فهو من أبطال فئة الصم الذين عبروا زحام الدنيا بهدوء، وملؤوها ضجيجا بإنجازاتهم. لا يجد نفسه مختلفًا، والصم عالمه الأجمل الذي يمنحه الطمأنينة والأمان. لم يفقد يوما شغفه بالحياة وإصراره على تحقيق أحلامه، فقرر التغلب على هذا الضعف وصولاً لمرحلة التقبل، ويواجه عالم الصوت بلغة الإشارة التي تعلمها وأتقننها، فأصبحت لغته في التواصل، وكان قويا في فرض شخصيته والاندماج مع الأصدقاء ليكون شخصا طبيعيا.
سيد حسن أحد أبرز المؤثرين في عالم الصم، وصاحب شخصية قوية ومؤثرة بين شباب الصم. كان من أعضاء جمعية الصم منذ تأسيسها بالعام 2007، وعمل في لجانها المختلفة، وشغل منصب نائب الرئيس، وبعدها حاز منصب رئيس الجمعية للدورة الحالية وما قبلها. وهذا المنصب يعني له الكثير؛ لأنه يجد نفسه في المكان المناسب؛ ليكون صوتهم في المطالبة والدفاع عن حقوقهم؛ لأنه أحد أفراد هذه الفئة ويدرك احتياجاتهم.
كان لـ “صحتنا” لقاء معه؛ للتحدث عن تجربته في عالم الصم.
متى بدأت رحلتك مع الصمم؟ وكيف أثر على طفولتك وحياتك المبكرة؟
أنا فاقد للسمع من الولادة، إذ ولدت في أسرة من غير فئة الصم، ما عدا أخي الذي يكبرني، كنا نتحدث مع بعضنا البعض بالإشارة إلى أن تم إدخالنا المدرسة لتعلم الكتابة وتعلم لغة الإشارة، كان التواصل مع الأهل صعبا في البداية؛ ولكن توصلنا مع الوقت إلى لغة تفاهم نفهم بعضنا وبلغة الشفاه وغيرها من الأساليب المساعدة على التواصل.
تحدث عن أول مرة شعرت فيها بالفقد الحقيقي للسمع؟ وماذا كان شعورك؟
عندما كنت صغيرا لم أشعر بأنني مختلف أو لدي لدي إعاقة؛ ولكن عندما كنت في قرابة السادسة من عمري استشعرت هذا من بعض المواقف عند اللعب واختلاطي بالأقران، وبدأت أعي أنني أختلف عنهم، فهم يتحدثون وأنا وأخي بلغة الإشارة فنحن نختلف عنهم.
هل شعرت يوما أنك مختلف عن الآخرين؟ كيف تعاملت مع هذا الشعور؟
في البدايات كنت أشعر فعلا بألم؛ ولكن وجود أخ مثلي أتحدث معه بلغتي كونه أصما أيضا كان يخفف عني ذلك، وبعد مرور الوقت قررت أن أتغلب على هذا الضعف أو الانزواء، فكنت قويا في فرض شخصيتي والاندماج مع الأصدقاء في شارع القرية لأكون شخصا طبيعيا.
ما أصعب لحظة واجهتها كشخص أصم، وكيف تغلبت عليها؟
عندما كبرت مقررا مواجهة الحياة بنفسي في بادئ الأمر، وجدت صعوبة في التعامل مع المجتمع لانعدام اللغة؛ ولكني كنت أعلِّم من هم حولي لغتي ليسهل عليّ التواصل معهم وأحاول أن أفهم إشاراتهم البسيطة وأحيانا أخرى أتعلم الكتابة بشكل أكثر؛ كون الدراسة لدينا ضعيفة في مستوى الكتابة، وليست بمستوى الموظفين وغيرهم، حاولت أن أكرس وقتا أكثر لتحسين الكتابة لدي؛ لأستعين بها في طريقة التواصل، ومع الإصرار تتلاشى كل الصعوبات.
كيف تفهم عالم الصوت ومفهوم الصوت؟
أنا لدي صمم عميق، والصوت الذي يصلني فقط الأصوات المرتفعة جدا والاهتزازات.
فمفهومي لذلك أن الصوت ضجيج مرتفع وضخم واهتزاز، هذا ما أعرفه عن الصوت، وليس لي أي تصور بجمال الألحان ودرجات الصوت او اختلافها.
ماذا يعني لك الصم؟
الصم عالمي بالطبع، وهو أجمل ما في الوجود أرى فيه الطمأنينة والراحة والأمان.
كيف كانت تجربتك الشخصية في التحديات التي واجهتها كونك أحد أفراد مجتمع الصم؟
كل شيء بدايته صعبة؛ ولكن إذا قررت البدء فيه ستجد نفسك تسير بشكل أكثر صلابة وأكثر إصرارا، وستكون التحديات أكبر في التغلب على الصعوبات.
هل شعرت يوما أنك مختلف عن الآخرين؟ كيف تعاملت مع هذا الشعور؟
ربما نظرة الناس لنا أننا مختلفون، أما الحقيقة التي نؤمن بها فهي أننا لسنا مختلفين؛ ولكن كل شخص في هذا العالم لديه ما ينقصه ولديه ما يحتاج إليه ليكمل هذا النقص، فكلنا نكمل بعضنا.
كيف كنت تتواصل مع أهلك في البيت؟ وهل فهموك بسهولة؟
مع مرور الوقت على وجود الأفراد مع بعضهم يعتادون طباعه وطريقة تفكيره ومنطقه كذلك بحكم المعاشرة، فنعتاد على لغة إشارة بسيطة؛ ولكن مفهومة، ويمكن أن يقال عنها لغة بيتية نستطيع التواصل بها وكذلك لغة الشفاه والكتابة.
ما أبرز التحديات التي تواجه الصم في البحرين اليوم؟
التحدي الأكبر هو التقبل، فإن تقبل شخص أي شيء سيحاول بكل الطرق أن يكسبه ويعتاد عليه، فليس بيننا وبين البقية سوى حلقة مفقودة، وهي لغة التواصل، ولغتنا كباقي اللغات، فتعلمنا للغة ما، يكون من أجل الحصول على عمل، أو كوننا في بلد آخر سيحتم علينا تعلم هذه اللغة كي نحصل على الوظيفة، أو للتواصل مع الأشخاص الذين يتوجب علينا التعامل معهم بلغتهم، فهو نفس المنطق تماما، فلو أن أحدهم رأى أهمية في التواصل معنا سيهتم لتعلم لغتنا من أجل التواصل.
ماذا يعني لك أن تكون رئيسا لجمعية تمثل هذه الفئة المهمة في المجتمع؟
أن أكون رئيسا في جمعية تعنى وتهتم بأشخاص من نفس عالمي، فهذا يعني لي الكثير؛ لأنني أجد نفسي في المكان المناسب، وأيضا أحمل مسؤولية أستطيع أن أقول إنني قادر على حملها كوني واحدا منهم، وأعرف احتياجاتهم وهمومهم، وأكون صادقا في المطالبة والدفاع عن حقوقهم؛ لأنني أحد أفراد هذه الفئة.
ما رسالتك لكل شخص يمر بتحدٍ مشابه في عالم الصم؟
أولا الإصرار على التحدي بروح لا تيأس مهما صعبت، وأن يكون الأمل شعاره ليستطيع التغلب على كل شيء، فلا يحزن إن فاته شيء أو صعب حاله، بل يكون متأملا للانتصار في النهاية دائما.
ما الرسالة التي تود توجيهها في أسبوع الأصم العربي؟
رسالتي للمجتمع أن نمد الجسور مع بعضنا البعض مهما اختلفت الفروقات بين الأفراد، وأن نعطي أنفسنا فرصة، للتعرف، للتقارب، ونفهم بعضنا البعض؛ كي نستطيع أن نتعايش، وكذلك أملنا في الجهات المعنية اتوفير أو دعم الأشخاص الصم في الاستفادة من وجود التطبيقات التي تساهم في تسهيل حياتهم وزيادة الوعي لديهم، وأيضا تسهيل الحصول على الأجهزة المعينة لهم من المعينات السمعية، ومنبهات الطوارئ في المنزل كجرس المنزل، ومنبه الحريق ومنبه الأطفال الرضع للأمهات، كل هذه الابتكارات صنعت من أجل تسهيل حياتهم وتعويضهم عن فقد السمع بالإحساس والبصر عن طريق الضوء والاهتزاز؛ لتكون حياتهم طبيعية لهم ولأسرهم الذين يحملون مشقة الحياة معهم مدى الحياة، وبسبب ارتفاع الأسعار وعدم توافرها في البلاد، يتكبد الأصم الكثير من المتاعب لتوفيرها إن استطاع اقتناءها.
من هم الأشخاص الذين دعموك وألهموك لتتجاوز المحنة؟
وجود الأصدقاء إلى جانبي كان داعما كبيرا لي لتخطي بعض الخطوط، ولولا هم لما استطعت أن أقطع هذه الصعوبات وأتجاوزها.
ولا أنسى دور الأهل بكل تأكيد، فلوالدَي والأسرة الدور المحوري في شخصيتي، فكنت أعيش أنا وأخي وسط أسرة لم يكن بها سوانا من فئة الصم، ولكن لم يمنع ذلك التواصل السليم الذي يخلق شخصيات متزنة وسليمة، فكان لأسرتي الدور الكبير في نشأتنا نشأة سوية وقوية ومحبة للخير والعطاء والبناء في المجتمع.
كلمة ورسالة توجهها لمن؟
أتوجه بالشكر إلى كل الجهات التي تدعمنا في برامجها ومشاركاتنا ونقدر ذلك تماما.
ورسالتي إلى الشباب العاملين في مجال التكنولوجيا وصناع المحتويات في مواقع التواصل الاجتماعي، أن يخصصوا جانبا من ابتكاراتهم الرائعة في مجال التثقيف البنّاء عبر توظيف الذكاء الاصطناعي في صنع برامج ومنصات تخدم الصم وجميع ذوي الاحتياجات الخاصة؛ لأنها برامج تسهل وتختصر الطريق بشكل كبير في حل مشكلات صعبة في التعلم وكسب المعارف لديهم، وتسخير العلوم الحديثة في تذليل الصعاب.
