محارب السرطان عبدالله خليفة: مبادرة سمو الشيخ خالد بن حمد جعلتني أفتخر أنني بحريني
«أمنيتي أن أكون ضابطا في الجيش».. كانت هذه أمنية محارب السرطان الطفل عبدالله خليفة، حين تم سؤاله عن أمنيته ضمن مبادرة “ابتسامة طفل”.. أمنية أثارت دهشة وذهول القائمين على المبادرة؛ كون معظم الأطفال طلبوا مقتنيات شخصية، مثل جهاز لابتوب أو مشغل ألعاب فيديو منزلي. وفي لفتة إنسانية جميلة بادر النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة رئيس الهيئة العامة للرياضة رئيس اللجنة الأولمبية البحرينية سمو الشيخ خالد بن حمد آل خليفة، بتلبية طلب الطفل وتحقيق أمنيته، فقد قام سموه بنفسه باصطحابه في جولة بمعسكر الروضة ليشهد معه يوما من أيام المعسكر. كانت ابتسامة عبدالله وهو يؤدي التحية ببدلته العسكرية ملهمة لكل أطفال السرطان، وتبعث روح التحدي في مواجهة هذا المرض المتوحش. ابتسامة هزمت ظروفا قاسية، وتبعث على الفخر والاعتزاز. وعن سبب أمنيته في أن يكون ضابطا، قال لـ «صحتنا» إنه يريد أن يرد الجميل للوطن الذي كان السبب في شفائه بعد الله. وقال “مبادرة سمو الشيخ خالد بن حمد جعلتني أفتخر أنني بحريني، فأدعو له في كل صلواتي”. كما قدم الشكر إلى جمعية “ابتسامة”، التي كانت سببا في تحقيق أمنيته. وكان لـ “صحتنا” لقاء مع والدة محارب السرطان عبدالله خليفة؛ لتروي لنا الجانب الآخر من قصة عبدالله.
كيف تم تشخيص حالته بسرطان الكبد؟
عبدالله كان طفلا كأي طفل في سنه، يحب الحياة ويلعب ويستمتع بطفولته، وكانت هناك بعض المشكلات الصحية في القلب والرئة؛ ولكنها لم تكن تؤثر على حياته. لكن الاستقرار لم يستمر، حيث لاحظت وجود انفتاخ في بطنه يمكن تحسسه، فذهبنا به إلى المركز الصحي، وأخبرني الطبيب بأنها مجرد غدة ستزول مع الأيام؛ ولكن بعد مرور 3 أشهر لاحظت أن الانتفاخ ازداد أكثر وكبر؛ فذهبت به إلى مركز الرفاع الشرقي الصحي، وحولتني د. درية بعد المعاينة مباشرة إلى مجمع السلمانية الطبي من دون أن توضح، وبعد فحوصات الدم أخبروني بأن “ابنك لديه ورم خبيث”.. وفي الأول من يناير من العام 2013 تم تشخيصه بسرطان الكبد في المرحلة الثالثة، بعد فحوصات الدم وأشعة الرنين المغناطيسي.
كيف تلقيتم الخبر؟
في اللحظات الأولى لتلقي الخبر شعرت بصدمة؛ ولكن كنت هادئة، فقد كنت لوحدي حينها، ولم أعرف أن أعبر، وكأن الله مسح على قلبي واستوعبت الخبر ومنحني القوة، فكنت متماسكة أكثر؛ لكن والده انهار بعد سماعه الخبر. لم تكن لدينا خلفية عن سرطان الكبد، فبدأت رحلة البحث عنه ومراحله وطرق علاجه، كان غريبا عليّ، بالرغم من أن لدينا تاريخا عائليا مع السرطان، فعماتي كن مصابات بسرطان الثدي.
ما خطوات العلاج بعد التشخيص؟
حين سألت د. خلود السعد وأخبرتني أنه في المرحلة الثالثة، سألتها مباشرة: هل هناك حالة مشابهة لحالة ولدي؟ فأخبرتني أن هذا كان قبل 15 سنة، ولا توجد حالة مشابهة له. ومنذ تلك اللحظة وبعد عدم حصولي على أجوبة مطمئنة قررت علاجه في الخارج. اتصلت ببرنامج “صباح الخير يا بحرين” في إذاعة البحرين، وناشدت المغفور له سمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، وبعد 5 دقائق مباشرة وصلني اتصال من مكتب سمو رئيس الوزراء وطلبوا التقرير الطبي، وهذه المبادرة من سموه أشعرتني بالاطمئنان. وتم الترتيب والتنسيق للعلاج، وتخييري بين الأردن وسنغافورة، واخترت سنغافورة.
ما ظروف العلاج في سنغافورة؟
حين وصلنا ذهبنا إلى المستشفى مباشرة، وكان في استقبالنا الطبيب، الذي شرح لنا خطة العلاج، وفي اليوم الثاني بدأ العلاج الكيماوي. كان عبدالله صغيرا ولا يستوعب ما يدور حوله، وهذا ساهم في سرعة العلاج، حيث أخذ 10 جرعات من الكيماوي ومعنوياته كانت قوية.
لكن ارتفاع انزيمات الكبد أدى إلى تكون الماء الأبيض في العين، فقبل البدء في الكيماوي سحبوا الماء الأبيض وعالجوا كسل العين وزرعوا عدسة.
ولأن الكيماوي يؤثر على عضلة القلب والسمع، فكنا نتابع ونتأكد من عدم تضررهما، وكنا نحذر ونحتاط عند عودتنا؛ لأن مناعته كانت ضعيفة، فنتجنب الخروج من المنزل، واستغرق التعافي مدة سنة إلى سنتين. وبعد العلاج الكيماوي أصابه فرط حركة، ونتابع هذا مع اختصاصية تنشئة أطفال.
ماذا أخذ منك المرض وماذا أضاف؟
الحمد لله التجربة أضافت لي الصبر ومنحتني القوة والتحمل، وأصبحت أدقق في كل عارض أو مرض، وأجعل من الصحة أولوية، وأتابع مع مختص مع أي عارض ولا أتجاهله.
كيف تخطيت مرحلة المحنة مع السرطان؟
اتجاهي لرب العالمين وعلاقتنا بالله وإيماننا بأن الشفاء بيده سبحانه وتعالى وأن الأطباء ما هم إلا السبب، كان هذا الداعم الأكبر في تخطي المحنة، إضافة إلى الترابط الاجتماعي والتكاتف والتعاون مع كل عوائل المرضى، حيث كنا كعائلة وحدة نلتقي في المستشفى ونتبادل التجارب.
ما أثر مبادرة سمو الشيخ خالد بن حمد آل خليفة؟
مبادرة سمو الشيخ خالد بن حمد آل خليفة حفظه الله ورعاه كان لها الأثر العميق في قلوب أطفالنا وقلوبنا، فإن الفرحة التي رأيتها في عين ابني لا توصف، فكيف أن أمنية ذكرها ابني بعفوية وبراءة تتحقق بإذن الله. وهذه المبادرة الكريمة انعكست إيجابا في جميع النواحي، فتقدم في دراسته وارتفعت معنوياته، وأصبح ينظر دائما إلى المستقبل بتفاؤل، ما ساهم في تحسن حالته. ونحن ندرك بأن هذا المرض ابتلاء عموما، وأن تأثيره أشد قسوة على الأطفال الذين لم يدركوا حقيقته وخطورته، والحمد لله الذي هيأ لنا في هذا البلد العزيز شخصية مباركة ومميزة، فقد كانت مبادرة سموه نبراسا وضياء لنا جميعا.
كيف هو عبدالله الآن بعد التعافي من السرطان؟
صحيح أن عبدالله تخطى المرحلة الحرجة والخطرة؛ ولكنه مازال يحتاج إلى متابعة مستمرة وبشكل دوري مع فحوصات الدم ومتابعة العين ونمو الكبد، ومازال يتلقى العلاج في الخارج، ففي شهر يوليو الماضي سافرنا إلى سنغافورة، وهناك علاج جديد يتلقاه بالتعاون بين سنغافورة والهند عن بعد، وسنحتاج للسفر مجددا للطبيبة المعالجة لنقيّم التقدم في الحالة. وجميع تكاليف العلاج على كاهلنا، ما أرهقنا ماديا، وحاليا أبحث عن وظيفة لأتمكن من مواصلة علاج ابني.
عبدالله حاليا منطلق في الحياة، والمرض رغم قساوته لم يمنعه من أداء طقوس الحياة بكل تفاصيلها، فيواصل الدراسة ويمارس هواياته، التي منها كرة القدم، إذ إن أمنيته أن يكون لاعب كرة قدم في صفوف الفريق الأول لنادي الرفاع الشرقي الذي يعشقه، والذي احتفى به حديثا، إذ التقى لاعبي النادي وتم إهداؤه قميص الفريق موقعا من جميع اللاعبين.
ما رسالتك إلى المجتمع وعوائل المرضى؟
يجب على أهل مريض السرطان التحلي بالصبر والقوة؛ لأنه سيضعف بضعفكم، فهو يستمد القوة منكم، فنصف العلاج هو من العلاج النفسي، خصوصا في مرحلة الكيماوي، فلذلك لا تظهروا ضعفكم أمامه لأنه سيتأثر. كما يجب على المجتمع دعم أهل محاربي السرطان؛ لأنهم سيكونون متعبين، فينبغي أن يساندوهم لكي يستمروا من أجل صحة أبنائهم. ولابد من التنبيه إلى أن هناك جهلا واعتقادا عند البعض، بأن مرض السرطان معدٍ، فبعضهم يمنعون أبناءهم من الاختلاط بالمرضى، فلابد أن يكون هناك وعي، ويتخلصون من النظرة الخاطئة. كما لا يفوتني التوجه بالشكر والتقدير لمنتسبي جمعية ابتسامة؛ لما يبذلونه من جهود مباركة في دعم محاربي السرطان، إذ كانوا سببا في تحقيق أمنية ابني.
