+A
A-

جنان المحسن: التمسوا الأعذار لمرضى “الذئبة الحمراء”

مرض الذئبة الحمراء مرض مناعي، ويعود سبب تسميته لطفح جلدي مميز على الوجه بشكل فراشة، يشبه العلامات البيضاء الموجودة في الذئب؛ ولكنه لا يقف على المواصفات الشكلية للذئب بل يتعداه للصفات السلوكية، فأخذ طباع الذئب ووحشيته، فينهش ضحاياه ويفترس أحلامهم ويبعثر هدوء الحياة بكميات رعب وخوف هائلة. 
جنان المحسن إحدى محاربات الذئبة الحمراء التي نالها من وحشية هذا الذئب ما نال. ورغم أنها تمكنت من ترويضه ليكون فراشة وديعة وهو الوجه الآخر له؛ لكنه ظل متربصا بها تلاحقها نظرات عيونه اللامعة المملوءة بالغدر ويتحين الفرص. 
اقتنت جنان بجدارة فلسفة الذئب والفراشة في هذا المرض، لتجعله مثل لوحة البازل، فتجمع القطع المبعثرة لتشكل ملامح صورة اللوحة كما تشاء لا كما يشاء المرض. لم تتمكن جنان من هزيمته لكونه ضعيفا، بل هزمته وهو في عنفوان قوته وغروره وأسقطت كل تدابيره، “صحتنا” التقت بها لمعرفة تفاصيل هذا المرض، وفيما يلي نص اللقاء:

متى تم اكتشاف المرض وتشخيصه؟
كنت أعيش حياة طبيعية كمثل من هم في عمري، قبل الإصابة بالذئبة الحمراء بسنتين كنت في مرحلة مرض دائم وأعراض مختلفة وتردد مستمر على المستشفيات وارتفاع دائم للحرارة، وانتفاخ في المفاصل وتورمات في الجلد والمفاصل وفقدان للوزن ونزول في الدم، وكنت في غير طاقتي ونشاطي وحياتي المعتادة.  
 أصابتني الأعراض في عمر السادسة عشرة، وفي عمر الثامنة عشرة تم تشخيصي في الأردن بعد أن مكثت في مستشفى السلمانية لمدة شهر تقريبا وعجزهم عن التشخيص، وكان هذا بالعام ٢٠٠٥. 

 كيف تلقيت خبر الأصابة وماذا تبادر إلى ذهنك في البداية؟
بعد التجربة القاسية من دون تشخيص ومن دون علاج وضعت لنفسي قاعدة وهي الحصول على التشخيص والعلاج طالما أن هناك علاجا، ولا أمارس الضغط على ذاتي أو أعيش القلق. وبعد أن عرفت بأن الأدوية ستكون رفيقة لي طوال حياتي تقبلت الوضع.   
كيف كانت ظروف العلاج؟ 
ظروف العلاج كانت ومازالت متعبة، كون الإنسان يكون ملتزما بكم كبير من الأدوية، وبعضها تكون في أوقات معينة ومجرد التفكير أن حياتك مرتبطة بهذه الأدوية، فهذا يشكل عبئا نفسيا كبيرا يحتم عليك الالتزام، حتى لا تعرض حياتك للخطر ووضعك الصحي للانتكاس.
 كيف أثر المرض على حياتك الأسرية والاجتماعية؟
 حياتي الأسرية لم تتأثر، وأهلي كانوا الداعمين الأساسيين لي، وحجر الأساس لحياتي التي أعتبرها مستقرة وناجحة حاليا. 
في ظل إصابتي بالمرض كان وجودهم وتشجيعهم وتحملهم أكبر حافز لي لكي أعيش حياتي الحالية كجنان، فهم سبب وجودي واستمراري وصمودي، وبعد زواجي مازال هو الداعم الأكبر.
ولم يكم المرض عائقا عن العمل، فبعد سنوات طويلة من دون عمل، والسبب هو خوفي من الحرج في حالة المرض وعدم تقبلي لتبرير وضعي الصحي لمسؤولي العمل، حصلت على فرصة عمل وظيفية أكثر من ممتازة وبيئة عمل تتفهم وضعي، وساعدتني في التخلص من عتاب نفسي لكوني من دون وظيفة بسبب مرضي وساعدني زملائي والمسؤول في تخطي مرحلة البطالة.

ماذا أخذ منك “الذئبة الحمراء” وماذا أضاف لك؟ 
أخذت مني الذئبة سنتين الدراسة مرحلة الثانوية، فوضعي الصحي أثر على مستوى تحصيلي الدراسي؛ ولكنه أضاف لشخصيتي قوة وصلابة، فإصابتي بالذئبة كانت مفترق طرق، ودعت معها حياة المراهقة في وقت مبكر، وأصبح مستوى إدراكي للحياة وفهمها أنضج وأرقى، وأضافت لي الإصرار والتحدي والتقبل أكثر من قبل. 
 هل تشعرين بخوف وقلق من عودته مجددا؟ 
طبعا هذا مؤكد؛ لأنني مررت بانتكاسات قوية على مر السنوات الماضية وعودته يعني تغيرا كاملا للعلاج، وتغيير العلاج يؤثر على حياة مرضى الذئبة بشكل كبير، فتغيير وإضافة الأدوية من أكثر الأشياء المتعبة والمزعجة جدا. 
ما رسالتك لمرضى الذئبة الحمراء والمجتمع والمسؤولين؟ 
رسالتي إلى مرضى الذئبة الحمراء الاهتمام بالحالة النفسية وتحدي المرض والسير في الحياة من دون استسلام وتوقف، فالمرض مع الالتزام بالأدوية والإصرار والحالة النفسية الجيدة يستقر. ورسالتي إلى المجتمع إذا صادفتم مريض الذئبة الحمراء في مجال العمل أو الحياة الاجتماعية التمسوا له العذر في حال غيابه أو تأخره عن موعده، كما أدعو إلى دعم المرضى في حالة العجز والانتكاس. كما يجب معاملة مرضى الذئبة معاملة مرضى الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى أعمال خاصة، لتساعدهم بالعمل بحرية من دون حرج ولا خوف لأنهم معذورون.
ورسالتي إلى وزارة الصحة بضرورة توفير أماكن خاصة ومغلقة لمرضى الطوارئ من مصابي الذئبة من دون الاختلاط المباشر مع المرضى، لتجنب نقل العدوى الفيروسية.
كلمة شكر توجهها لمن؟ 
أول كلمة شكر أقدمها لوالدي وإخواني وأهلي الذين ساندوني فترة ما قبل التشخيص وما بعدها ومازالوا يدعموني في كل خطواتي ومراحل حياتي. وبعدها لزوجي داعمي الكبير وسندي الذي يقاسمني مرضي وآلامي وحياتي في جميع حالاتها، ولأولادي الذين يتحملون في بعض الأوقات ظروف الحياة التي تسببها لي أعراض المرض ولأهل زوجي الذين كانوا أسرتي الثانية لدعمهم الدائم.