العدد 966
الإثنين 06 يونيو 2011
قناة الشرقية والرسالة السياسية طارق الشمري
طارق الشمري
ما وراء الحقيقة
الإثنين 06 يونيو 2011

يعتبر توصيل مضمون الرسالة السياسية لأي جهاز إعلامي الى الجهة المستقبلة من المهمات الصعبة التي تتطلب دراية وخبرة مهنية وأكاديمية للأشخاص القائمين على عملية التوصيل. ويعتبر اليهود أبرع من امتهن مهمة توصيل الرسالة السياسية لدولة إسرائيل الى المجتمعات الغربية ونجحوا نجاحا كبيرا في التأثير على هذه المجتمعات وكسب تعاطفهم. وبالرغم من أن الرسالة السياسية العربية أحدثت تأثيرا لا يستهان به بين الجماهير العربية، إلا ان إصرار القائمين على عملية توصيل هذه الرسالة، بانتهاج أساليب تقليدية عفا عنها الزمن جعل الأمر صعبا نوعا ما. ومن القنوات العربية الجريئة التي عمدت الى ابتكار أساليب حديثة بعملية توصيل الرسالة السياسية، قناة الشرقية العراقية. فقد انتهجت هذه القناة أسلوبا يمكن ان نطلق عليه “الكوميديا السياسية” من خلال مسلسل اسمه “حب وحرب”. وبعد تحليل مضمون المسلسل ورسالته الكوميدية السياسية، خرجنا بعدد من النقاط هي كالتالي:
1) الاحتلال الأميركي للعراق: يصور المسلسل قصة حب عاطفية بين فوزي وفاتن في ظل الاحتلال الأميركي للعراق، وتعثر إتمام هذه الخطبة بالزواج بسبب تردي الأوضاع نتيجة هذا الاحتلال. وفي كل مناسبة وخلال مشاهد المسلسل، تتم الإشارة الى الاحتلال الأميركي، اما بالتصريح أو بالتلميح، ولكن بطريقة غير استفزازية بل بطريقة تعتمد على الواقعية. وميزة هذا المسلسل انه أول مسلسل يصور تصويرا واقعيا الاحتلال الأميركي لدولة عربية في العصر الحديث. فقد جرت العادة في المسلسلات المصرية مثلا تصوير الاحتلال البريطاني، أو الفرنسي بالنسبة للمسلسلات السورية. كما انه على العكس من هذه المسلسلات العربية التي كانت تعتمد على القومية والمقاومة في مواجهة الاحتلال البريطاني والفرنسي، فان مسلسل حب وحرب، يعتمد على الكوميديا السياسية والسخرية السياسية من الاحتلال الأميركي، وهي أيضا ميزة يتميز بها هذا المسلسل.
2) ظهور الميليشيات والأحزاب: حاولت الرسالة السياسية لهذا المسلسل تصوير حالة الفساد الإداري والرشى وانهيار القيم النبيلة لشعب العراق الموحد بين بعض أبطال المسلسل، على انه نتيجة واقعية لظهور المحسوبية والقرابة، التي لمح لها بظهور الميليشيات والأحزاب التي عمدت الى انتهاج الفساد وسرقة أموال الشعب العراقي وتعميق ثقافة الرشى في تعاملها اليومي، بطريقة كوميدية ساخرة.
3) صورة العراقي الأصيل: من ناحية أخرى، صورت الرسالة السياسية الجانب الحضاري للمواطن العراقي، الذي يرفض تصرفات بعض فئات الشعب العراقي بعد فترة الاحتلال الأميركي، من خلال بطل المسلسل (فوزري) كمواطن عراقي أصيل مازال على قيمه ومبادئه، يرفض الفساد والسرقة ويعيد الحق لأصحابه، ويتحدى كل الصعاب والعراقيل ولا يأبه للظلم الذي يقع عليه. وكل ذلك يتم مقرونا ببث إشارات تلميحية بإلقاء اللوم على الاحتلال وتبعاته في بعض مشاهد المسلسل.
4) صورة المقاومة: نجحت الرسالة السياسية للمسلسل في تصوير المقاومة العراقية الرافضة للاحتلال الأميركي وللأحزاب والميليشيات الخارجية، تصويرا رائعا من خلال كونهم مجانين في مستشفى أمراض نفسية. فهؤلاء المجانين وأثناء أحاديثهم بين بعضهم أو مع إدارة المستشفى، ينتقدون الوضع العراقي والحياة اليومية العراقية، بصورة ساخرة، كوميدية واستهزائية لكل من يؤيد أو يشارك مع الاحتلال الأميركي، من حكومة وأحزاب وشخصيات. ويستخدم هؤلاء المجانين التصريح والتلميح أحيانا للنيل من الاحتلال وللتمجيد للمقاومة. ففي احد المشاهد يصر هؤلاء المجانين على قيامهم بتنظيم مظاهرة للتعبير عما يجول في خاطرهم مستخدمين عبارات وجمل مبهمة للشخص العادي ولكنها لا تخفى على المحللين. ومن هذه الشعارات عبارة: “يسقط المطر في الصيف، ويعيش الجمل بالصحراء. وبتحليل مضمون هذه الشعارات نجد انها تحوى تصويرا للوضع العراقي، اذ ان كلمة المطر ترمز للأميركيين والاحتلال الأميركي وديمقراطيته،والصيف هو حالة الشعب العراقي المتعطش للحرية والديمقراطية. اما كلمة الجمل فهي كلمة رمزية تشير الى المقاومين ورافضي الاحتلال أو يمكن أيضا اعتبارهم الأغلبية الصامتة العراقية، بينما الصحراء ترمز للعراق بكل آلامه وقلة مائة وقلة الحرية والديمقراطية. وعليه فان هذه العبارة التي رددها هؤلاء المجانين تعني “تسقط الديمقراطية الأمريكية حتى وان جاءتنا بحرارة الصيف، ويعيش الشعب العراقي الشامخ كشموخ الجمل بكل طوائفه ومذاهبه وتكويناته، بصحراء قاحلة وشديدة الحرارة، حتى ان كان بدون ديمقراطية، لأن الوحدة الوطنية هي اسمى من الديمقراطية الأميركية.
ان أسلوب الكوميديا السياسية، هو أحد الأساليب الجديدة في عملية توصيل الرسالة السياسية لوسائل الاتصال الحديثة، التي يمكن استخدامها تعزز وتعمق مفهوم الوحدة الوطنية والقومية بين العرب من دون الاساءة المباشرة للآخرين.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .