العدد 4044
الأحد 10 نوفمبر 2019
حديث صريح مع “المعاش”!
الأحد 10 نوفمبر 2019

مع أنه كان ولا يزال “يكسر خاطري” بسبب هزاله وضعفه الشديد، وأناته المستمرة التي تصم الآذان، لكنني أخرجت ما في قلبي وتحدثت مع بكل صراحة ووضوح وسعة صدر.. فما عاد الوضع الذي أصابني كما أصاب الكثيرين من الناس؛ بسبب انغلاقه على نفسه ووقوفه في مكانه وجموده وثقل حركته، وإصراره الدائم على أن يكون “أسيرًا”، لا.. وليس هذا فحسب، بل ما دفعني للحوار معه هو ما تيقنته من انعدام الطموح لديه في الحياة.. وخموله وكسله حينما وجدته يحب البقاء في الأسفل دائمًا.. لا يريد أن ينهض ويرتفع أبدًا، ولا أن يواكب الزمن، ولا يرغب أبدًا في أن يكون متميزًا ومحبوبًا ونشطًا في الصعود والجميع يصفق له ويكن له الاحترام.. والأشد، والأكثر إيلامًا في النفس، هو اكتشافي أنه “يحب أن ينادونه بعبارة... ما عاش.. ما عاش”! ما أثار غضبي وحنقي وحزني وقلقي عليه وعلى نفسي.

سألته.. أي الراتب، ولها أسماء أخرى في قاموس اللغة العربية ومنها: أجر، معاش، مرتب، كراء، وفي اللغة الإنجليزية يطلقون عليه أسماء مثل (salary - pay - stipend)، وربما له أسماء، وربما له أسماء أخرى في اللغتين العربية والإنجليزية لا أتقنها، وبالتأكيد له عشرات الأسماء في لغات أهل الدنيا، ألا أن حواري معه بدأ بسؤال واحد خبأته منذ سنين، وليتني لم أساله لما حل علي من بلاء عظيم وكدر جسيم فقد سألته “ما الذي يمنعك من أن تسمن؟ لماذا تبقى هزيلًا هكذا؟”، فكان جوابه مباغتًا ومؤثرًا للغاية، لم أكن أتوقعه أبدًا، فقد همس في أذني وهو يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة “اسمع يا بني.. أنا أحتضر منذ زمن بعيد.. أحتضر كل آخر شهر.. أنت لا تعلم ما الذي يصيبني في آخر كل شهر.. خلني ساكت أحسن”.

وما كاد ينتهي من كلامه حتى عاجلته بالقول “لا والله وتالله وبالله ما أخليك ساكت.. إلا تقول.. ناشدتك الله تكلم.. أرجوك، فكلي آذان صاغية”، ومع إصراري وإلحاحي عليه قال لي “في آخر كل شهر.. أشعر بأنني في حاجة إلى رقية شرعية على يد واحد من أمهر وأشهر وأقوى الرقاة.. ذلك لأن رعشة عظيمة مجلجلة تصيبني، فترتفع درجة حرارتي، ثم ما ألبث أن (أتنتف)؟ هل تعرف ما أقصد؟ أي أنني أتمزق شر ممزق.. وأشعر بطعنات شديدة تأتيني من كل حدب وصوب ومن شدة الألم والوجع أبكي بكاءً حارًا يسمعه القاصي والداني، وأحيانًا لا أتمزق، إلا أن حالتي تكون أشد حينها.. ذلك حين أجد نفسي أطير بسرعة الصوت فلا تراني ولا تسمعني.. دعني في حالي، فإن أكملت لك ربما يغمى عليك وتطيح (صفرة)”.

يا للمسكين، لم يكن يعلم أنني “طحت صفرة” وأصبني “شلل أطفال” والزهايمر منذ أن قال كلمة “أتنتف”.. والله المستعان في الشدة والرخاء.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية