العدد 3981
الأحد 08 سبتمبر 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
اقتصاد السعادة (34)
الأحد 08 سبتمبر 2019

لست خبيرا اقتصاديا، واحترم التخصصات، لكني اشتغل في الاقتصاد الفكري النقدي، وهو جزء من الأبستمولوجيا المعرفية؛ لذلك أسعى لقراءة نقدية في الاقتصاد بمبضع ثقافي فلسفي. لعل أجمل ما في اقتصاد البحرين سابقا هو أنه كان خليطا بين الاشتراكية والرأسمالية والأنسنة.

بالنسبة لي، لا أؤمن بكل مبادئ الاقتصاد الحر المفتوح المطلق على الطريقة الأمريكية والأوروبية، ولا الاشتراكي البحت الذي يكون تحت الملكية المطلقة للدولة على طريقة الدول الشيوعية.

وإنما بالكوكتيل الاقتصادي بأفضل ما في النظريتين مع تطعيمهما بالأنسنة وشيء من رحمة الأدلجة. جمال اقتصاد البحرين كان بالتوازن، وليس بالتوحش الضريبي، فلم نسمع يوما ما، والبحرين مرت بمنعطفات اقتصادية حادة، وهي جزء من العالم، فتأثرت بأزمة الرهن العقاري الأمريكية عام ٢٠٠٨، وغيرها من أزمات، لكن لم يثقل المواطن بالضرائب، ولم تلاحقه الوزارات الخدمية بطريقة التهديد، ولم نسمع أن مواطنا هُدد بقطع الكهرباء عن بيته دون رحمة ولا شفقة. أقول: هذه الأنياب في الاقتصاد لا تشبه الاقتصاد البحريني المؤنسن، وليست هي الحل. أضرب مثالا: كل تاريخ هيئة الكهرباء، وكل تاريخ وزارات الكهرباء في البحرين لم تعتمد هذا التوحش على الطريقة الرأسمالية المتوحشة.

وهنا جاء دور سمو ولي العهد الأخير والحكيم في إيجاد توازن لطبيعة أداء الهيئة وتمديد احتساب الفواتير. قد يقول قائل: بأن هيئة الكهرباء والماء هي واحد من ضمن (العاملين) من الفريق الطبي المتعدد في سيارة إسعاف الاقتصاد البحريني وكرافد للميزانية، خصوصا وأن الميزانية فيها عجز بمقدار 1.878 مليار دولار في 2019، ودين عام بلغ 11.457 مليار دينار؟ صحيح، لكن أنا على يقين أن بعض مسؤولي الهيئة يجتهدون في المبالغة في القرارات والأداء خلاف التوصيات العليا. ومع التقدير لخطة برنامج التوازن المالي، إلا أنه يجب ألا يتم الاتكاء على النظام الضريبي، وسلوكيات بعض الوزارات، ومنها هيئة الكهرباء؛ لأن ذلك قد يسقطنا في أزمة سوسيولوجية اكبر، ولابد من التدرج لا اعتماد ما يسمى اقتصاديا بـ (اقتصاد الصدمة)! وأن نبدأ بالأولويات التي تسبب فائض مال لا فائض عوز وفقراء. وذكرت سابقا، كي نخفف من العجز نبدأ بالأهم لا الحلقة الأضعف، ومنها التخلص من أي مشاريع فيلة بيضاء غير منتجة أو لا يمكن علاجها. هناك أكثر من مشروع أصبح ثقبا أسود لابد من إجراء check up عليه، وفحص حجم الأمراض فيه قبل أن يصاب بسكتة مالية حادة أو ذبحة استثمارية.

كم من مشروع اقتصادي او استثماري في كومة وغيبوبة ربحية؟ حتى بعض أعضاء مجالس الإدارات لشركات ذات أسهم حكومية هم جزء من أزمة مشاريع متعثرة أو تعاني هزالا ربحيا بسبب عدم مواكبة رؤيتهم الاقتصادية مع التغيرات العالمية. والسؤال: هل سنلتجئ الى الإنتاجية التي تكون بتقوية بقية القطاعات ونتيجة حتمية للتنمية البشرية في الإنسان البحريني، والاحتضان للأدمغة البحرينية، وإعادة جدولة أهمية تقديم الكفاءات لا المكافآت في التوظيف؟ وهناك أسئلة ملحة من قبيل: كيف سيتم التعاطي مع أفخاخ الاقتراض، ونار فوائدها، والتقليل منه وهل سيتم تفعيل دور توصيات ديوان الرقابة المالية؛ للحد من الهدر والتجاوزات للوصول لاقتصاد السعادة؟هذه الخطوات تعتبر مضادا حيويا تمنح المناعة الكافية لاقتصاد وقع تحت رحمة تقلبات سوق النفط. ومتى سيتم عدم الاتكاء المطلق على جبل النفط الذي دائما ما يفاجئنا بزلزال يجعل الأسعار متشظية صغيرة وحارقة؟ ثم هل من خطة لإنقاد قطاع العقارات الذي يعاني غياب المناعة، ونقصا في كريات الدم البيضاء؟ فلابد من خطة متوازنة للتوازن المالي.

ولخلق بيئة استثمارية واعدة وتنمية، نحتاج قلب طبيب اقتصادي شجاع، لا ترتعش يداه عند إجراء أي عملية اقتصادية. فالنظام الضريبي كي يكون أحد خيوط سترة النجاة للاقتصاد؛ لابد أن يكون بموازاة عدم غرق المواطن، ومراعيا للطبقات السفلى، فبدلا من الاتكاء عليه، يجب العمل على تنويع الاقتصاد. نستطيع النهوض بالاقتصاد البحريني، ولكن بإستراتيجية بعيدة المدى، فسنغافورة عندما انفصلت عن ماليزيا كانت عبارة عن كومة مستنقعات، ولا تحمل أي مقومات الدولة، لكنها اليوم وصلت للقمة وقد مرت أيضا بأزمات وهي في أوج ازدهارها، إلا أنها استمرت في التصحيح.

لقد أصبح الناتج المحلي الإجمالي لسنغافورة 297 مليار دولار في العام 2013. لماذا الاقتصاد الهندي صاعد، وكيف كانت الصين قبل ثلاثين عاما إلى أن بلغ الناتج المحلي الإجمالي في العام هذا 2019 “15.518” تريليون دولار!! عقلية شيوعية مغلقة ديمقراطية، لكن بعبقرية تصحيحية اقتصادية. نعم تعاني فسادا، وديونا مخيفة، حيث قفزت ديون الصين لهذا العام إلى 40 تريليون دولار. لكنهم يمتلكون رؤية وإنتاجية وبرامج. المواطن الذي سيعاني فوبيا الاقتصاد سيقود إلى اقتصاد الفوبيا، لا يمكن أن ينجح توازن مالي مع مواطن مذعور اقتصاديا أو تاجر يتداعى ماليا أو مستثمر يعاني فوبيا الاستثمار. إننا جميعا نثق بحكمة جلالة الملك وسمو رئيس الوزراء وسمو ولي العهد في أنسنة الاقتصاد، ومراعاة وضع المواطن عند تصحيح أي وضع اقتصادي لصناعة اقتصاد السعادة، وهذا ما أثبتته كل التجارب التاريخية.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية