هذه هي الحلقة الأخيرة في هذه السلسة التي سنخصصها لملامح النظام العربي في المرحلة الحالية الانتقالية والمرحلة القادمة، والنظام العربي له خصوصية التداخل مع النظام الذي يسود العالم الاسلامي فيصبح النظام العربي متأثرا بعنصرين هما عنصر تفاعله مع عمقه وهو العالم الإسلامي والعنصر الآخر داخلي، حدود الديموغرافيا العربية المعروفة.
اما عن العنصر الأول من مكونات النظام العربي وهو تفاعله مع عمقه الإسلامي فإن الايام الحالية تكشف عن مخطط أصبح قيد التنفيذ ولم يعد خافيا على احد، هذا المخطط وضع أساسا منذ كان كيسنجر طيب الذكر وزيرا للخارجية الاميركية قبل اكثر من ثلاثين عاما عندما قال ان العالم الاسلامي يجب ان تطبق عليه دبلوماسية الكاراتيه ومعناها ان تستغل القوة الكامنة في العالم الاسلامي وتستخرج بالكامل في صراع ضد بعضه فتخلت بعد ذلك اميركا عن نظام الشاه في ايران وتركته لتسقطه الثورة الايرانية التي راهن كيسنجر على انبعاث الخلاف بعدها بين مكونين في العالم الاسلامي وهما الجناح الشيعي والجناح السني، والذي يتضح الآن ان اميركا اصبحت على قناعة بأن هنالك ضرورة لها ولمصالحها بوجود هذا الصراع وان تديمه دون ان تقف الى جانب احد طرفيه حتى النهاية وقد لا تكون المواقف الاميركية الاخيرة تجاه ايران التي اعترضت عليها بعض الدول العربية بعيدة عما نقول، وعلى الأرجح فإن هذا الخلاف المذهبي الاعلامي على الغالب في الوقت الحاضر قد يدفع به الى تأجيج الأمور الى ما هو اشد خصوصا في البؤر الساخنة عن طريق احداث تقدم او اختراق لصالح احد الطرفين على حساب الآخر، لكن ما علينا ان نعلمه ان هذه المخططات ليست قدرا مقدورا والحكمة العربية والاسلامية قد تحبط بعض هذه المخططات او تؤخرها على الاقل.
أما النظام العربي على المستوى العربي الداخلي وهو ايضا المتداخل مع بعده الاسلامي فإن الامور فيه تتضح لتكشف عن نظام ملامحه تتحدد في النقاط التالية:
1 - استمرار النظرة الغربية الاستعمارية الى هذا العالم من خلال اعتباره منبعا لثروات لا يريدون التخلي عنها أو عن التحكم فيها وشعوب يمكن استعمارها ومصادرة مستقبلها بطرق تتغير وفقا لتقدم الزمان ويساعد على ذلك حالة التأخر السياسي أو تأخر الوعي السياسي لدى هذه الشعوب عن مواكبة التطور الحاصل في هذا العالم.
2 - اختلاف الأسلوب الأميركي في السيطرة على العالم العربي بسبب تراجع القدرات الاميركية على شن الحروب وتراجع اقتصادها المخيف وعدم قدرتها على التواجد في المنطقة كما كانت تفعل في الماضي القريب دفع الى اسلوب جديد وهو الاستعاضة عن الدور الاميركي المباشر في المنطقة العربية بمن ينوب عن اميركا والغرب من الداخل العربي في مواجهة المشروع النهضوي العربي تحت اسم مكافحة الارهاب وهذا النائب الداخلي يشحن الآن بكل قوة وبالاموال الطائلة حتى يقوى صوته ويصبح الفرد فيه قادرا على تأدية دور العشرات او المئات من خلال وسائل الاعلام المتاحة له او القوة التي يتحكم بها ومن خلال تجرده من الاخلاق والقيم، والولايات المتحدة من خلال هذه الوسيلة تريد اعادة الانظمة الدكتاتورية التي اسقطت بفعل الثورات العربية الاخيرة الى سدة الحكم دون ان تظهر هي في خلفية الصورة وإن كانت هذه السياسة اصبحت مكشوفة وغير خافية لاننا نعيش في القرن الحادي والعشرين وليس أواسط القرن الماضي، ويقتضي هذا المخطط التخلص من القوى العربية الاسلامية المؤهلة للحكم واستبدالها بقوى اسلامية اخرى ليس لها برنامج سياسي من اجل لفت الانظار عن المشاكل العربية الداخلية ونقل الاهتمام الى ادارة الخلاف بين جناحي الامة الاسلامية الذي اشرنا اليه سابقا.
3 - اطلاق العنان لجميع القوى الكامنة في العالم العربي والتقاط الشاذ منها لتقويته في مواجهة الامة وصولا الى ما يشبه الغليان الذي ستترتب عليه آثار قد لا تكون في صالح العرب مثل التقسيم للمقسم والتجزئة للمجزأ وصولا الى الكيانات الطائفية والعرقية وكل ذلك يتم تحت ستار اسم الفوضى الخلاقة.
نعتقد ان على دول عربية محورية تمتلك الدور الريادي ولديها القدرات الاقتصادية الهائلة ان تأخذ زمام المبادرة لإنقاذ ما يمكن انقاذه، وعلى كل حال قد لا تنتهي الامور الى ما يهدف للوصول اليه من خطط لهذه الفوضى فقد يفاجأ بشيء آخر معاكس تماما كما تفاجأ بالربيع العربي.