العدد 1984
الجمعة 21 مارس 2014
هل يصلح العسكر للحكم؟ د.محمد المحاسنه
د.محمد المحاسنه
تحليل إخباري
الجمعة 21 مارس 2014

لماذا كان الجنرال ديغول صالحا للحكم في فرنسا، والجنرال ايزنهاور في أميركا كذلك، ومعظم رؤساء وزارات الكيان الإسرائيلي هم من الجنرالات ولم يؤخذ عليهم كونهم عسكرا في تقلدهم للمسؤولية؟ في حين دمر عسكر المشرق مستقبل بلدانهم عندما حكموا، وأصبحت مقولة يسقط حكم العسكر هتافا إصلاحيا شعبيا، والأمثلة في مشرقنا كثيرة ومنها القذافي وعبدالناصر وصدام ومبارك وعيدي أمين وعلي عبدالله صالح وغيرهم، ولماذا لم تر تركيا النور في عصرها الحاضر إلا بعد أن تمكن أردوغان من تقليم أظافر العسكر؟
الفرق بين الحالتين واضح جدا، وهو أن عسكر الغرب لم يتسلموا الحكم إلا من خلال ديمقراطية حقة، في حين أن عسكر المشرق تسلموا الحكم من خلال الدبابة أو ديمقراطية الخمس تسعات أو التوريث الذي يسمح حتى لأي كان أن يصبح حاكما وبما في ذلك العسكر وأشباه العسكر.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، هو لماذا كان كل عسكر المشرق الذين حكموا مستبدين وأقرب إلى الجهلة ولم يتصادف وصول ألمعي من بينهم إلى الحكم ولو مرة واحدة وعلى سبيل الصدفة المحضة؟ والحقيقة أن الجواب على هذا السؤال يلخص لنا مشكلة حكم العسكر في العالم الثالث.
الجيوش في العالم المتقدم والديمقراطي تربت على طريقة غير طريقة تربية الجيوش لدى الحكام المستبدين، ففي العالم المتقدم الجيوش يتمتع أفرادها بالحرية والقدرة على مناقشة القائد واستعمال العقل، ويدرب العسكري منذ صغره على هذه الأمور وعلى تطوير القدرات والسعي إلى الثقافة والعلم إضافة إلى الحريات التي توفرها الأنظمة الديمقراطية، في حين يُرَبى العسكري لدى الحاكم المستبد على الطاعة العمياء ونفذ قبل أن تناقش ولا يقبل منه إلا حاضر سيدي وتمام يا أفندم، الثقافة تهمة بالنسبة له، وإذا ما ثبتت فإنه معرض لإنهاء خدماته من الجيش، والإمعان في التفكير محرم عليه، ولو ثبت أنه يستخدم عقله كثيرا ويسأل فإن ذلك يعرضه للمصير نفسه، وإذا ثبت أنه يقتني الكتب ويقرأ كثيرا فلن يكون له مستقبل عسكري.
يروي محمد حسنين هيكل أن دراسة قام بها غربيون لعدد من جيوش الأنظمة الدكتاتورية، وأن الخلاصة في التقرير بعد الدراسة جاء فيها أن هذه الجيوش مستحيل عليها أن تنتصر في حرب؛ لأن كل فرد في هذه الجيوش لا يسمح له بالتفكير إزاء أي مشكلة تواجهه، وأن عليه أن يتلقى الأمر فقط وأن ينفذ، ومثل هذه الجيوش لا يمكنها أن تربح حربا. ولأجل ذلك لا يصلح مثل هكذا عسكر للحكم الذي يتطلب كل ما هو عكس ذلك تماما.
تخيل ضابطا صغيرا في دول العالم الثالث لو زار وحدته العسكرية قائد الجيش ووزير الدفاع فهل يستطيع هذا الضابط الصغير أن يناقش القائد ووزير الدفاع وأن يجادله بالحجج والمنطق؟! لكن مثل هذا الأمر حصل مع ضابط صغير في جيش الكيان الإسرائيلي عندما كان موشي دايان رئيسا لأركان الجيش ووزيرا للدفاع فقد جادله ضابط صغير أثناء زيارته لإحدى الوحدات العسكرية وربما تفوق على وزير الدفاع في ذلك النقاش فما كان من ديان بعد الزيارة إلا أن نادى على الضابط الصغير وقال لمن حوله هذا الضابط يجب أن يكون في يوم ما هو رئيس هيئة الأركان ووزيرا للدفاع ورئيسا لوزراء إسرائيل، وان لم يحصل ذلك فإنه سيكون هنالك خلل في النظام في إسرائيل، لقد كان ذلك الضابط الصغير هو ايهود باراك الذي وصل إلى كل المناصب التي تنبأ بها له ديان.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .