لمن يريد أن يقرأ يمكنه الاطلاع على نص المبادرة المصرية الأخيرة حول العدوان على غزة من قبل العدو الصهيوني، فهذه المبادرة ذات الثلاث نقاط موجودة على موقع وزارة الخارجية المصرية، ولكن من الحق القول إن تلك المبادرة لم تكن على المستوى المطلوب من جميع النواحي ولا داعي لها من الأساس.
فالمبادرة تعني أن العلاقات القوية مازالت تربط بين مصر والعدو الصهيوني بدليل تدخل مصر في سير الأحداث الأخيرة وتعاملها مع الجميع كوسيط بين عدو الأمة من جهة وأبناء الأمة من جهة ثانية مع أننا كنا نتمنى أن تكون تلك العلاقة في الضمور قد بدأت في الضمور على أقل تقدير، والدليل الآخر هو دعوة مصر “لطرفي الصراع” للقدوم إلى العاصمة المصرية بوفود عالية المستوى للتفاهم على تثبيت “وقف إطلاق النار”، بصورة مختصرة نرى مصر تتعامل على مسافة واحدة بين فلسطينيي غزة وبين العدو الصهيوني، وهذا أمر بعيد عن أهداف ثورة الخامس عشر من يناير والثلاثين من يونيو.
المبادرة المصرية لا تناقش ولا تحاول وضع حد للصراع بين معتد وضحية، بين ظالم ومظلوم، بين قاتل مجرم وقتيل بريء، بل تتحدث عن حل للصراع وكأنه بين طرفين متكافئين، وهذه مشكلة حين يرى طرف عربي الوضع بهذه الصورة ويعمل على أساسه، مصر التي قادت لسنوات الصراع مع العدو الصهيوني وقادت أمتها في هذا الصراع وضحت بالكثير من أجل فلسطين تتحول الآن إلى ما يشبه الحكم بين العدو المحتل المعتدي وبين جزء من الأمة يتحمل العدوان.
والأغرب من ذلك هو ما يدعو إليه البعض من سياسيين وكتاب في أمتنا العربية إلى تحميل حركة حماس المسؤولية وكان الخلاف بينهم وبين حركة الإخوان المسلمين حيث تمثلهم حماس في فلسطين قد طغى على الصراع بين الأمة وبين العدو الصهيوني، وهو ما يعني أن الحركة الشعبية العربية والتي كانت مصر جزءا منها قد أثمرت تقاربا بين بعض تلك الجماهير والعدو الصهيوني مع أننا كنا نتوقع العكس تماما.
لا أظن وجود عذر لمصر لتظل على ما كانت عليه أيام نظام حسني مبارك وقبله أنور السادات في علاقتها بعدو الأمة فقد كانت العلاقة بين العدو وحركة الإخوان والتي عبرت عنها رسالة محمد مرسي لرئيس الكيان الصهيوني كانت أحد اهم أسباب الخلاف مع تلك الحركة، وأحد أسباب قيام الشعب المصري ضد الجماعة وإسقاطها، فكيف يأتي النظام الجديد الذي قام على أنقاض نظام الجماعة ويمارس نفس الممارسة ولا يتخذ موقفا مغايرا لما كان عليه الوضع السابق؟ وكيف يستمر نظام نراه ثوريا شعبيا في التعلق بتلك العلاقة المشؤومة مع ذلك الكيان؟ ذلك يعني اننا ربما نكون أمام نظام يمثل امتدادا لما فعله انور السادات وسار عليه حسني مبارك... وإلا فلا يوجد معنى آخر لما نراه اليوم.
لا يمكن بحال من الأحوال ان يكون الخلاف مع حركة حماس أو جماعة الإخوان هو المعيار الذي على أساسه تقاس وتقام العلاقات مع الجهات الأخرى، ولا يمكن أن نقبل بطغيان هذا الخلاف على الصراع مع العدو الصهيوني... بالتالي على مصر ونظامها الشعبي الجديد مراعاة ذلك في تعاملها مع الكيان الصهيوني وفي نصرتها للشعب الفلسطيني مهما كان توجه قيادته لأنه لا شأن لشعب ما بما تمارسه قيادته ولا يمكن تحميله مغبة أخطاء يمكن أن يرتكبها أفراد أو جماعات معينة تهيمن على أي نظام في فلسطين أو غيرها، ولكن على الجانب الآخر على المقاومة في غزة ألا تنظر إلى أي تحرك مصري على أنه تحرك عدائي بسبب موقف حماس من الاخوان وقربها منهم.