لمن يتذكر ويعرف أو يحاول الفهم يمكن القول إن المباحثات الأميركية الفيتنامية لإنهاء الحرب بين البلدين في بداية السبعينات لم تستغرق كل هذا الوقت الذي استغرقته المباحثات الأميركية والغربية مع إيران حول الطاقة النووية أو تخصيب اليورانيوم في جمهورية إيران، منذ سنوات ونحن نتابع هذه اللقاءات والمباحثات ومعها التهديدات المتوالية التي توجهها الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية لإيران دون أي فعل أو نتيجة والعارفين ببواطن الأمور يعلمون جيدا أن كل تلك التهديدات ليست جدية ولن تؤدي إلى نتيجة، والمتضرر الأول والأخير من كل ذلك دول الخليج العربي.
لو نجحت إيران في الفرار من أية عقوبات وأنتجت السلاح النووي فستكون الدولة الوحيدة في الخليج العربي التي تملك سلاحا نوويا وستكون بالتالي دول الخليج العربي الأخرى هي المتضررة لوجود قوة نووية ملاصقة، لها علاقات غير مستقرة بينها وبين إيران تصل أحيانا إلى مستوى العداء مما يمثل تهديدا كبيرا لاستقرار دول المنطقة، ولو ساءت العلاقات بين إيران ودول الغرب ومعها أميركا ووصلت إلى درجة ضرب المفاعلات النووية الإيرانية – مع أن ذلك لن يحدث – ونقول لو حدث ذلك فستكون دول الخليج العربي كذلك “المتضرر الأكبر” في ذلك ومعها إيران، مما يعني أن الخاسر الأكبر في الحالتين دول الخليج العربي وليست أية دولة أخرى.
نعلم أن الغرب لن يقدم على ضرب تلك المفاعلات وهو الذي أنشأها في الأساس، والولايات المتحدة الأميركية ساهمت بالجزء الأكبر في ذلك منذ أيام الشاه وهي، أي دول الغرب وأميركا، تريد الإبقاء على تلك المفاعلات لتستخدمها ورقة ضاغطة على دول الخليج وليس العكس لتمتص دم هذه الدول حتى القطرة الأخيرة وستمارس عملية ابتزاز علنية للآخرين وليس لإيران وستظل المباحثات تراوح مكانها بين مد وجزر دون أية نتيجة عملية لأن من يقوم بالتفاوض يريده كذلك ولن يقدم على إيجاد أي حل أو نتيجة بل سنرى أفكارا ومقترحات متبادلة بين الأطراف المختلفة ولكن بلا نتيجة حتى تصل إيران إلى النتيجة النهائية المرجوة من كل ذلك وتنتج السلاح وتضع يدها على رقاب دول الخليج العربي.
العلاقات الأميركية مع إيران قديمة وليست مستجدة أو حديثة بل مضى عليها ما يقارن القرن من الزمان وفي كل مراحلها كانت وسيلة ضغط على دول الخليج العربي وهي – أي العلاقات – لن تخرج عن ذلك المسار وستستمر على ذلك، أما دول الخليج المتضررة من كل ذلك فإنها تضع جميع البيض في السلة الأميركية بل هي في ما يشبه حالة انقياد للسياسة الأميركية في ذلك دون فعل إيجابي وسنفتح عيوننا مستقبلا على واقع آخر تكون فيه إيران القوة الوحيدة والأكبر في الخليج العربي وسيكون القطار قد مر من المحطة الخليجية وفات دول الخليج عن اللحاق لأن الوقت سيكون قد فات حينها.
الجانب الآخر في العملية أو الواقع الحالي أن دول الخليج العربي تتجاهل أن هناك عاملا آخر في الحالة التي نتحدث عنها وهي دول أخرى كروسيا الاتحادية والصين اللتين تقومان بما هو مطلوب لإيران في قضية المفاعلات النووية والتخصيب النووي ومع ذلك لا نرى توجها حقيقيا لدولنا الخليجية للتوجه ناحية تلك الدول والقيام بما يجب القيام به معها من إحداث نوع من التوازن في العلاقات معها، مع أن هذا التوجه يمكن أن يمثل ورقة ضاغطة على الدول الغربية والولايات المتحدة ولكننا بكل أسف لا نستخدم الأوراق السياسية كما يجب في خشية غير مفهومة من الغرب ومعه أميركا.
ألف باء السياسة تدفع بكل وضوح إلى إيجاد ذلك التوازن في العلاقات، وتقول في نفس الوقت إن البقاء تحت مظلة واحدة لا يمكن ان يكون في صالحنا مهما حدث ولكننا للأسف الشديد نصر على البقاء على هذه الحالة.
نحن لا نقول بوجوب العداء مع الغرب فذلك أمر غير صحيح، ولكن نقول إن الانقياد له أمر غير صحيح كذلك بل هو مضر كثيرا لنا ولمستقبل دولنا ولكن ربما هناك بحور في السياسة لا نفهمها أو نعرفها.. والله أعلم.