من هو صاحب السلطة عندنا، السلطة التنفيذية أم السلطة التشريعية أم أنها السلطة القضائية، أم لكل منهم مجاله في السلطات المشتركة في الدولة، وهل تعي كل من هذه السلطات مدى ما لديها من سلطة أم أن المجاملة والحاجة تدخل فيها وتعيق استخدامها أحيانا؟
جميعنا تابعنا الحوار الذي تم حول قضية استجواب وزير المالية بسبب أخطاء يراها بعض النواب في الوزارة – حسب رأيهم – وتابعنا نتائج التصويت الثاني الذي تم حول إحالة الموضوع إلى هيئة الإفتاء والتشريع التابعة للسلطة التنفيذية في الأساس، وسمعنا من خلال الإذاعة التشنج الذي كان عليه بعض النواب واستفزاز كل منهم للآخر، وكان حوارا مفيدا يكشف الكثير من الأمور، وكنا نتمنى لو وصل إلى نتيجة مفيدة ولكنه أحدث انتكاسة في عمل السلطة التشريعية بيد السلطة التنفيذية، وبقول آخر تمكنت السلطة التنفيذية من إجبار السلطة التشريعية على إعادة النظر في رأيها ودفعها لاتخاذ القرار الذي تريده – أي السلطة التنفيذية – بعد أن كانت – أي السلطة التشريعية – قد اتخذت قرارا آخر قبل ذلك وكان قرارا مغايرا.
لسنا في صدد الحكم على الاستجواب المقترح وما إذا كان مستحقا أم لا، أو ما إذا كان الوزير مقصرا يستحق أن يتم استجوابه أم لا، فالتقصير أمر شائع عندنا وأصبح ملازما للأعمال، ولكن ما يهمنا في هذا السياق العنترية التي يريد أن يبديها مجلس النواب أو الكثير من أعضائه المحترمين خصوصا عندما يحين الموعد وتقترب الانتخابات وكأننا أمام سيناريو معد سلفا ومتوافق عليه بين الجهات المختلفة، كل يؤدي دورا معينا والضحية في آخر الأمر هو المواطن الذي في أغلبيته يمكن أن يصدق ما يرى حتى يكتشف الحقيقة بعد أشهر... وهكذا دواليك.
ما شاهدناه أو سمعناه في هذا الموضوع لا يمكن وصفه بغير المهزلة النيابية التي تتراجع فيها سلطة من السلطات عن حق من حقوقها لسلطة أخرى طواعية وليس بالقانون أو النظام ويكون هذا التراجع بيد السلطة ذاتها التي تراجعت عن موقف سابق لها ثم اكتشف بعض أعضائها أنهم على خطأ فغيروا موقفهم.
قد يقول البعض منهم إن تغيير الموقف أمر طبيعي ولا يعيب المرء أن يعيد النظر في أي موقف يتبناه حين تستجد معطيات أخرى وهو قول حق يراد به باطل كما يقال، فما تم لم يتم لأن أمورا ومعلومات معينة استجدت على الإخوة، بل ما في الأمر أنه ربما جرت أحداث أخرى استجدت هم أعلم من غيرهم بها ودفعت بهم لتغيير الموقف، وهذا ما يشعر به المواطن دون حتى أن ينطق به ولا يوجد تفسير آخر لما يجري.
لقد عودنا المجلس منذ نشوئه الحالي عام 2002 على هذا النمط “اللارقابي” في عمله وعلى التبعية غير المباشرة لسلطة أخرى هي السلطة التنفيذية بدلا من التعاون معها كما هو منصوص عليه في الدستور كسبيل لتطوير العملية وخدمة المواطن الإنسان الذي يمثل الهدف الأول والأخير من كل ما يجري، لم يستخدم المجلس أداة رقابية حقيقية وبصورة كاملة حتى اليوم، كل ما جرى ويجري هو مجرد أصوات ترتفع وتنخفض بلا نتيجة، طحن بلا طحين وفي نوع من الصورة الظاهرة فقط أي “مجرد شو”.
العيب ليس في التجربة البرلمانية ولا حتى في الدستور أو القوانين المكملة أو المفسرة وهو كذلك ليس في نظام المجلس أو لائحته الداخلية، فكل ذلك يمكن التعامل معه حتى مع النقص المسيطر عليه، ولكن العيب في نوعية ما يحمله أغلبية الأعضاء – مع احترامنا الشخصي لهم – من الذين يجهلون أدواتهم البرلمانية المتاحة ويجهلون كيفية استخدام تلك الأدوات وتبقى قلة قليلة منهم – نادرة ربما – لا تستطيع الفعل في ظل تلك الأغلبية، ثم نختم ونقول إن العيب الأكبر يكمن في الناس – وربما نكون منهم - الذين أوصلوا هذه النوعيات إلى داخل المجلس ثم يتباكون بعد ذلك ويذمون... والله أعلم.