نذكر جميعا كيف تهكم الرئيس السابق لمصر ونعني به محمد مرسي بعد أن تقلد المنصب حين قال “الستينات وما أدراك ما الستينات” وكأنه يوجه حديثه للزعيم الراحل جمال عبدالناصر ويقول له إننا – أي إخوان مصر – قد وصلنا إلى الحكم رغما عنك – أي عبدالناصر -، ولكنه بعد أشهر قليلة وقف في أحد صروح الصناعة المصرية التي أقامها عبدالناصر ليكيل المديح ويمجد أيام الستينات لأنه أيقن حينها أنه سبح قبلها ضد رغبة وإرادة الشعب العربي المصري فأراد التقرب له بالتنصل مما قاله في المرة الأولى.
نذكر هذا الموقف بمناسبة انعقاد مؤتمر القمة بدولة الكويت الشقيقة حاليا الذي يشهد انقسامات لم تشهدها الساحة العربية قبلا بالرغم من الخلافات العربية التي لم تتوقف يوما، فالقمم العربية تحولت من مؤتمرات لمناقشة حال الأمة والتوصل لقرارات مصيرية ورسم مستقبل عربي كما حدث على سبيل المثال في قمة الخرطوم عام 1967 بعد النكسة، قمم تعقد حين تكون الأمة على المحك لتصل لحلول لمشاكلها، حلول عملية وفورية كما رأينا في قمة 1970 إبان أيلول الأسود والقتال بين المقاومة الفلسطينية والقوات الأردنية حيث انتهى الاجتماع بإنقاذ المقاومة من التصفية حينها، أما بعد ذلك فقد تحولت القمم العربية إلى مجرد بروتوكول بلا طعم ولا نكهة، يجلس الزعماء لتبادل الضحكات والتقاط الصور ثم تنتهي اللقاءات إلى لا شيء.
يبدو أن الزعماء بحاجة لقيادة كما قلنا أمس الأول عن العمل السياسي وبحاجة لمن يلم الشمل ويستمع له الآخرون، لذلك بعد أن ذهب أمثال عبدالناصر تحولت الاجتماعات إلى ما قلناه وفقدت بريقها وقيمتها وأصبحت مجرد تكاليف تتحملها الدولة المضيفة وجهد يتحمله القادة في السفر والترحال دون فائدة عملية للأمة.
ما يتبين حاليا أن الحراك الشعبي العربي – دون تحديد ما إذا كان حراكا سلبيا أو إيجابيا مع أن أغلبه سلبي – هذا الحراك يبدو أنه فجر اللقاءات وفتح المواجع وأفقد الأمة البوصلة السياسية القيادية وجهتها وغير من نمط ومحتوى اللقاءات على مستوى القمة وما دونها، فقد تبعثرت الأمة في الوقت الذي لا تملك فيه من يحتويها كما كان الحال في الستينات التي تهكم عليها إخوان مصر على لسان محمد مرسي.
منذ أن حادت مصر عن الطريق نهاية 1973 وكرست طريقها البعيد عن مصالح الأمة باتفاقيات “كامب ديفيد” عام 1978 ومعاهدة السلام عام 1979، منذ ذلك الوقت لم تشهد القمم العربية فعلا أو قرارا إيجابيا واحدا، ففي الفترة الذهبية كانت لدينا قيادة قومية وليست قطرية، قيادة وضعت مصالح الأمة فوق كل شيء وكانت تنظر إلى الأمام وليس تحت القدم، قيادة مستعدة للتضحية دون أن تنتظر مردودا ذاتيا من جهة ما، قيادة لم تكن تخشى الأجنبي والاستعمار أو تنتظر منه حماية لكرسيها، لذلك كانت تدفع بموقف وقرار حقيقيين نابعين من حاجات الأمة والشعب العربي وتصبان في مصلحة الأمة والشعب.
كلما استضافت دولة عربية مؤتمر القمة نراها تعمل بكل طاقتها لإنجاح القمة، وهذا النجاح ينحصر في أن تنعقد القمة فقط وتنتهي نهاية طبيعية دون انفجار أو انسحاب وفد من الوفود، مع أن النجاح الحقيقي يكمن في القرارات التي تصدر من القمة وعلاقة تلك القرارات بمستقبل الأمة ووضع آلية لتنفيذ تلك القرارات وتنفيذ تلك الآلية، فالنجاح ليس كلمات ترص على أسطر من ورق أبيض بقدر ما هو عمل حقيقي في الواقع العربي، وهو كذلك ليس عملية الترقيع والتقريب بين المختلفين ولكنه في الحقيقة الوقوف مع الحق العربي وتأنيب بل محاسبة من يشذ عن الطريق العربي المطلوب.
النجاح الوحيد الذي حققته القمم العربية حتى الآن وفي وضعها الحالي هو في استمرار انعقادها ولكن على الأقل مطلوب من القمة الحالية من أجل المستقبل وتجسيد النجاح الحقيقي الموازنة بين المصالح القطرية والمصالح القومية وليس تغليب الأولى على الثانية ووضع المبادئ العربية على طريق المستقبل العربي وليس تنحية تلك المبادئ جانبا بل نسيانها في الحقيقة.. أليس كذلك.. الله أعلم.