ربما لسنا المكان أو البلد الوحيد أو الشعب الوحيد الذي يعاني من التناقض بين الفعل والقول عند العموم إضافة للقرار، فالعموم مهنتهم الكلام دون الفعل وأصحاب القرار يمارسون ما لا يقولون، فهذا أمر يسود عالمنا بجميع مواقعه حين نرى عددا محدودا جدا من البشر في أي مكان يمارس الفعل السياسي قولا وفعلا ويكرس وقته وطاقته لهذا العمل لأنه يرى فيه طريقا يستطيع من خلال السير فيه أن يؤدي واجبا عليه وخدمة للغير ووسيلة يمكن من خلالها نقل المجتمع، الذي هو جزء منه، من حال غير مرغوب فيه إلى حال مطلوب من الجميع، من يعمل ومن لا يعمل، فكلهم بشر وجميعهم لهم مطالب وغايات، وعلى الجانب الآخر هناك من يمارس الحديث الدائم في كل شيء والإفتاء في جميع القضايا والتحليل لكل حدث ولكنه من النوع الخامل البعيد عن أي فعل إيجابي أو حركة مؤثرة، فمهمته تنحصر في الكلام وليس في الفعل.
يمكن أن يكون هذا مقبولا حين يكون العمل السياسي محظورا يوجب العقاب على من يمارسه لذلك تجنبه الأغلبية وتبتعد عنه، حينها يمارسه من هو مستعد للتضحية وتقبل العقاب وهو ما يجعلهم قلة في أي مجتمع، أما حين يكون العمل السياسي مشاعا ومباحا وعلنيا بالقانون الذي يبيح ممارسته ويدعو له فإن هذا الأمر يصعب قبوله من الأغلبية التي لها مطالب ولها احتياجات لا يمكن تحقيقها بغير هذا الطريق، بالتالي فهي – أي الأغلبية – تلقي بعبء تحقيق أهدافها على الغير وتجلس في انتظار نتائج عمل غيرها.
حين تعقد أي من الجمعيات السياسية المنتشرة على الساحة المحلية ندوة سياسية في شأن مهم من الشؤون المحلية يصعب أن تجد 1 % من أعضائها حاضرين في هذه الندوة وتستطيع أن تختار أيا من الكراسي المنتشرة في القاعة لتجلس لأن الحضور قليل وكأن وجود أسمائهم – أي الأعضاء - في قائمة الجمعيات مجرد صورة أو “برستيج” أحيانا، أما حين تحضر ندوة أخرى سياسية أو غير سياسية في أحد المجالس التي باتت منافسا قويا للجمعيات السياسية، تجد الحضور كثيفا وأكبر من عدد المقاعد في الكثير من الأحيان، مع أن الوجوه تتكرر في الكثير من المجالس ولكنها تحضر على أي حال.
حين يتم طرح موضوع محلي لحوار ما يشتد الحوار بين الجالسين ويتفنن كل منهم في إبداء الرأي والتنظير للآخرين، وأحيانا يصل الحوار إلى الاشتداد وحتى التشنج في توجيه النقد الذي يصل أحيانا إلى التجريح للغير من الممارسين للعمل السياسي وتوجيه الاتهام لهم بالتقصير، ولكن حين تطرح فكرة إقامة عمل معين يخدم الموضوع يتنصل الجميع من المشاركة في ذلك العمل أو تنظيمه، فمعظمهم ينتظر الآخر للقيام بالعمل أما دورهم فهو إبداء الرأي وتوجيه النقد وكأنهم مستشارون أو خبراء.
يبدو أن هناك شيئا مفقودا يدفع بهذا الموقف ويجعل الأغلبية سلبيين في تعاطيهم مع الشأن المحلي وحتى العربي سياسيا وعمليا، هذا الشيء المفقود ربما يكون الحافز الذاتي للانخراط في العمل السياسي الذي أصبح في حاضرنا هو الأساس لأية حركة عند الكثيرين أو المشاركة في الفعاليات السياسية، وربما يكون فهمهم غير الصحيح للقضايا السياسية، أي عدم وجود قضية – من وجهة نظرهم – يتبنونها ويدافعون عنها، وربما يكون السبب انعدام القيادة السياسية الوطنية الحقيقية الجاذبة التي يمكن أن يلتف حولها ممارسوا العمل السياسي الوطني، أو ربما جميع تلك العوامل مشتركة... والله أعلم.