صباح لا أراكِ فيه لا طعم له ولا معنى، صباح لا أسمع منكِ كلمة دعاء يمر جافا كئيبا بلا قيمة، بساطة الكلمات التي تخرج منكِ كدعاء في الصباح أو المساء لا تعرفها المعاجم، فكلمات الأم الحقيقية التي تُحدث بها أولادها في كل وقت تراهم فيه يصعب على المعاجم تفسيرها أو معرفة قيمتها ومعانيها، فالمعاجم ليست أكثر من أوراق وكلمات بعيدة عن الروح، والمعنى الكامن في تلك الكلمات البسيطة التي نسمعها منك كل يوم تدخلين بها الطمأنينة في نفوسنا بعيد عن تفسير تلك المعاجم.
لست أديبا ولا أفهم في الكتابة الأدبية، وهو ما يجعل مني عاجزا عن التعبير الحقيقي لما يحس به كل ابن مثلي لأم حنون مثلك، أم آثرت التضحية الدائمة من أجل أبنائها، أم لا تعرف ولا تريد شيئا من هذه الحياة غير سعادة تراها في أعين من تحب، أم لم تطلب شيئا في يوم من الأيام من أبنائها حتى لا تكثر عليهم.
أكثر ما أخشاه أنني لم أوفِكِ جزءا من حقك علي حتى الآن، فحقك الكامل صعب ومستحيل أن نصل إليه أو نؤديه، ولكن نأمل أن نكون قد أعطينا جزءا من ذلك الحق الكبير لك في أعناقنا... وليغفر لنا ربنا أي تقصير من دون قصد أو نية.
الأمومة ليست علما يتم تلقينه للأمهات، وهي ليست شهادة تمنح بعد دراسة ويتم رصها ضمن الشهادات الكثيرة من أجل المباهاة، ولا يمكن لأي إنسان مهما تعلم أن يعلو فوق الأمومة وعاطفة الأم وحنان الأم ومقدار التضحية التي تعطيها الأم عن طيب خاطر ودون انتظار لجزاء من أحد، فكل ذلك كامن بداخلك يا أعز البشر.. شيء من تكوينك.. مرتبط باسمك.
قد يقول البعض ممن يصعب عليهم فهم معنى الأمومة أن ليس جميع الأمهات كذلك، وهو على حق لأنه لم يعرفك ولم يجلس معك ولم يسمع كلماتك ولم يعش تضحياتك ولم يفهم المعنى الكامن في اسمك ولا العاطفة غير المحدودة التي تملكين.. فلا يعرف ذلك إلا من عاشه وشعر به.. ليست كل امرأة لديها أبناء يقال لها أم.. الفرق شاسع بينك وبين غيرك.. وهذه ليست أنانية أكون عليها لأنك أمي ولكنها الحقيقة بكل معانيها.. فأنت الصدق بكل ما فيه، فلا يعرف الشيء إلا من يعيشه، وأنا عشته معك وأشعر به في كل كلمة أسمعها منك وكل سؤال منك عن أبنائك.. أين فلان.. لماذا تأخر فلان.. لماذا أنت ساكت وغيرها، كثير من الأسئلة التي تعني الاهتمام بالغير أكثر من النفس.. فليقل من يريد أن يقول غير ذلك، فهذا لا يهم.
اعذريني إن كنت قد قصرت، فأنا بشر وأنت أقرب إلى الملاك، ومثلك يعذر دائما أمثالي بل يبحث عن الأعذار لمن يخطئ ومن يقصر، أما مثلي فمهما قدم الأعذار والتبريرات يظل مقصرا، ومثلي لا يستطيع أن يفي مثلك حقه مهما فعل.
ما إن ألقي في حضنك برأسي الذي ملأ الشيب شعره، حتى أنسى كل شيء، كل هموم الدنيا، وأعود سنوات طوال إلى الوراء وتدخل الطمأنينة إلى أعماقي وتتسرب الراحة إلى نفسي وأشعر أنني أملك كل شيء.
كلما مرت بنا الأيام وكلما كبرنا معا تزداد الحاجة إليك لأن الأمومة لا تقاس بالعمر ومهما كبرت أمهاتنا نظل أصغر منها في كل شيء، فما يحمله عقلك وقلبك أكبر بكثير من أن نفهمه.
اللهم أعطها الصحة والعافية وامنحنا القدرة على أن نعطيها بعضا من حقها علينا.. اللهم اجعلنا ممن يعرف قيمتها ويفيها حقها.. اللهم اجعلنا عند قدمها، فهذه القدم أكبر من كل منصب وأهم من كل جاه أو وجاهة، فتحت هذه القدم دفء الشتاء وبرودة الصيف وحلو الحياة والقيمة الحقيقية لنا جميعا.. ومن لا يعرف هذه القيم لا قيمة له في هذه الحياة.