العدد 1983
الخميس 20 مارس 2014
القانون ذو العين الواحدة أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الخميس 20 مارس 2014

يقال عادة إن القانون أعمى، بمعنى أنه لا يرى من هم أمامه بل يتعامل مع الجميع بصورة متساوية دون اعتبار لاسم أو مكانة أو قيمة الذين يتعامل معهم، ولكن يبدو أن هذا التعبير تنقصه الدقة بل وتنقصه الحقيقة في بعض أو معظم المجتمعات، فهو لا يعبر في الحقيقة عن الواقع، ليس لعيب في القانون نفسه ولكن العيب في من يستخدمه ويتعامل معه.
من يستخدم القانون ليس أعمى كالقانون ولكنه يبصر ويستطيع التمييز بين البشر لذلك يستخدم عين واحدة حين يستخدم ذلك القانون ويطبقه ويسيء للقانون بهذا الاستخدام، فهو يرى أناسا ينطبق عليهم القانون بحذافيره وفي نفس الوقت يرى أناسا آخرين لا يمكن تطبيق ذلك القانون عليهم لأن القانون يتم تغييبه عنهم، فهم فوق القانون وفوق المساءلة.
منذ مدة كما يذكر القارئ الكريم قرأنا عن حبس آسيوي عدة أيام لأنه التقط ثلاث “كنارات” كانت ملقاة على الأرض واعتبرها القانون نوعا من السرقة فلقي ذلك العقاب (المخفف)، إلا ان هذا القانون يكون بعيدا جدا ولا يرى عندما يكون (السارق) من نوعية أخرى أو فئة أخرى من البشر الذين يمارسون السرقة الحقيقية ولكنهم ينظرون لذلك على انه حق لهم، بل إن هناك فئة من البشر لا يحق للآخرين مقاضاتهم أو لا يستطيع الآخرون الحصول على حقوقهم منهم لأنهم بعيدين عن عين القانون الذي لا يراهم ولا يشعر بهم.
“إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم” صدق الله العظيم، وهو نص قرآني واضح وصريح يعبر عن المساواة بين البشر، فلا فرق بين أي منهم إلا بتقواه التي يمارسها بذاته ومن اجل ذاته وهي تقوى أو عمل يميزه عن غيره ليس في الدنيا ولكن في الحياة الآخرة، أي عند الحساب ويومها يكون البشر سواسية فكل بعمله وليس باسمه أو منصبه أو نسبه، أما عندنا في هذه الدنيا فلا محل لهذه الآية إلا على الورق أو نظريا ولكن عند التطبيق نجد أمرا آخر يكون فيه الفرق بين البشر واسعا والتمييز جليا، والأغرب من ذلك أن هذه الفروق بين البشر والتمييز بين المواطنين في الجانب القانوني يكثر في الدول الإسلامية وبوضوح.
أغلب الأنظمة تضع مبدأ المساواة أمام القانون للمواطن شعارا لها وأحد أهم ركائز شرعيتها، إلا أنه في حقيقة الأمر لا يتجاوز كونه شعارا فقط للتباهي به أمام الغير بهدف سلب الحجة من يد المواطن ويمكن أن يستند إليها في رفض الواقع والخروج عليه، وهو ما يعني أن النظام العربي وغيره من الأنظمة غير الشعبية لا يضع هذا المبدأ من اجل التطبيق وتكريس تلك الشرعية والنتيجة من كل ذلك أن مبدأ المساواة أمام القانون تضعه الأنظمة بصورة عامة من اجل الأنظمة ذاتها وليس من أجل المواطن الذي هو الهدف من التشريعات والدساتير.
في السابق كان من يملك القوة المادية أو العسكرية أو حتى العضلية فقط يستطيع أن يصنع القانون الذي يكرس سيطرته ويتجاوز القانون الطبيعي والحق الطبيعي، ثم تطور الأمر ليدخل المال في الصورة ويمثل مصدرا آخر من مصادر القوة ويصنع القوانين التي تخدم تراكم الثروة والقوة، ثم أخيرا وصلنا إلى تحالف بين المال والسلطة أو القوة وتحولت المجتمعات – ونحن لسنا بعيدين عنها – إلى مجتمعات تتسامح وتغض الطرف عن صاحب المال وصاحب القوة عند استخدام القانون وتلغي العقاب على الخطأ مع أنهم القلة القليلة في أي مجتمع، وعلى الجانب الآخر استفحل المجتمع في توقيع العقاب على أي خطأ إن كان الطرف المتلقي هو المواطن العادي والطبيعي، وتحولنا إلى مجتمعات تمارس التمييز بين البشر وتنعدم أو تضمحل فيها المساواة مما يخلق صراعا آخر بين البشر يمارسه الإنسان ليحصل فيه على المساواة مع الغير وليرفع به الظلم عنه وعن أمثاله الذين يمثلون الأغلبية في أي مجتمع معاصر.
حتى في مجتمعنا نشاهد صورا كثيرة لا تعد ولا تحصى تتحدث بنفسها عن التمييز بين البشر ومع ذلك نجد بين ظهرانينا من يتحدث عن القانون والمساواة والنعيم الذي نحن فيه.. أليس كذلك؟ الله أعلم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .