انتهت زوبعة مؤتمر جنيف والكل يتحدث عن نصر حققه دون نشر ما تم في المؤتمر وما تمت مناقشته، فهذه الأمور تقتصر معرفتها على أناس دون آخرين، أما من يريد المعرفة فعليه أن يسلك دروبا أخرى في الشبكة العنكبوتية وبوسائل متعددة ليعرف وبصورة غير مباشرة ماذا حدث في شهر مايو الماضي أو الشهر الحالي، مع انه كان من الأجدى مناقشة تلك الأمور علانية والاستفادة من خبرة من يملك تلك الخبرة في تفنيد ما ورد من توصيات في السابق والمساهمة ولو بجزء بسيط في خدمة الوطن. إلا انه لابد هنا من وقفة متأنية لمناقشة ما حدث وما هو مطلوب بناء على ذلك فالمناقشة يمكن أن تجلب الفائدة عن ما هو قادم وليس ما مضى.
أول ما يهم معرفته أن ما حدث ليس نهاية المطاف وليس هو الحل المنشود للأزمة بل يمكن أن يمثل بداية جديدة يمكن من خلالها سلوك الطريق المؤدي للحل، ما جرى لا يعدو إيقافا لتدفق النقد الموجه للدولة أو النظام في البحرين وهو إيقاف مؤقت سيعاود الظهور من جديد لو لم يتم اتخاذ خطوات أخرى تمحو ما مضى وتمهد لما هو قادم. محو ما حدث يتمثل جزء منه في تعميق الممارسة الديمقراطية لقطع الطريق على كل من يتشدق بوجود قمع وانتهاك لحريات الأفراد في الدولة، وذلك من المهم أن يكون بسرعة تشريع الإصلاحات التي تم الاتفاق على جزء منها في مؤتمر حوار التوافق الوطني السابق وتنفيذ باقي التوصيات الاجتماعية والاقتصادية ذات العلاقة المباشرة بحياة المواطن وهي توصيات يمكن بتنفيذها نزع الفتيل الذي يراد له أن يشعل أو يحرق كل شيء، ثم بعد ذلك وبناء على ما سبق يمكن التمهيد لمؤتمر جديد يكون أكثر جدية مما سبقه وذلك لمنع التشهير به حتى قبل انعقاده، بل يمكن الاستفادة من أعضاء اللجنة المستقلة أو من هم على شاكلتهم في الإشراف على ذلك المؤتمر أو الحضور كمراقب لما يجري منعا لأي تشويه قد يمارسه من يحضر المؤتمر.
جزء آخر يمكن أن يساهم في محو ما حدث ويضع مؤتمر جنيف على الطريق الصحيح ويتمثل ذلك في التوقف عن كل ما من شأنه تعميق الفرقة الوطنية بين مكونات الشعب، فما يعرفه القاصي والداني أن هناك تيارات في الدولة تدفع في تلك الفرقة ولكنها يمكن أن تتوقف عن طريق التحكم من بعد في مواقفها بل يمكن توجيه تلك المواقف – لو تلقت التعليمات المناسبة - بما يمكن أن يبني ولا يهدم ويبدأ في إعادة الوطن إلى ما كان عليه قبل فبراير الماضي والحديث هنا لجميع الأطراف وليس لطرف دون آخر، وهذا يستوجب من جهة أخرى أن يكون الإعلام في صالح الجميع وليس ضد الجميع كما هو عليه الآن فبقليل من التمعن يستطيع أي مراقب أن يعي ويفهم ما يقوم به الإعلام بجميع مكوناته دون استثناء لنوع منه وجميع أطرافه من هدم في كيان المجتمع ظنا ممن يقوم بذلك انه يدافع عن الوطن مع انه في حقيقة الأمر يمارس هدما للمجتمع دون أن يعي.
في كل الأعمال التي تحمل وجهات نظر مختلفة تكون مصاحبة لها خسارة لطرف وربح لطرف آخر والربح عادة يكون على حساب الطرف الخاسر إلا أننا في هذه الحالة لا نريد ربحا على حساب أحد ولا نريد خسارة لأحد كوننا شركاء في ما نحن مختلفون بشأنه وكوننا جميعا متأثرون سلبا وإيجابا بما يحدث فالربح في هذه الحالة يكون للجميع والخسارة تكون على الجميع وما كنا فيه ومازلنا هو دون أدنى شك خسارة للجميع ولا يمكن أن يختلف اثنان على ذلك.