سأل المذيعُ المواطنَ المصري المسن عن سبب مشاركته في الانتخابات الرئاسية، وعن طلباته من الرئيس الجديد. فرد الصعيدي بأنه يتقاضى معاشا تقاعديا مقداره (130 جنيها مصريا) يعني حوالي (عشرة دنانير بحرينية!)، وتلك الجنيهات لا تكفيه حتى للطعام فضلا عن أعباء الحياة الأخرى.
في تاريخ 7 فبراير 2011م، أعلنت الحكومة المصرية عن زيادة رواتب ومعاشات تقاعد عمال وموظفي القطاع العام بنسبة 15 %. لكن هذا الكرم المتأخر جاء بنتيجة عكسية وهي أنه أشعر المحتجين بأن الحكومة قد بدأت تستجيب بفعل الضغط، مما شجّع العمال على التظاهر والإضراب والمطالبة بتحسين الرواتب والمطالب الاجتماعية بالإضافة إلى رحيل الرئيس.
يرى بعض الباحثين أن أعمدة النظام السياسي المصري الرئيسة هي أوسع وأعمق مما يظهر، وأن الرئيس السابق مبارك لم يكن إلا واجهة لها، شأنه في ذلك شأن بشار في سوريا.
لقد طالب الشعب المصري لسنوات طوال – حاله حال غيره من الشعوب – بإعادة توزيع الثروات بشكل عادل، وتعددت التحركات والحركات المعارضة حتى بلغ الحال بتشكيل حركة “كفاية” التي يغني اسمها عن التعريف بها.
لكن النظام ماطل وقابل المطالبات بالتعسف، والاحتجاجات بالعنف الشديد وصل إلى حال القتل في أثناء التعذيب أو الإهانات الشديدة داخل مراكز الشرطة وأحيانا قبل الوصول إليها.
ومع تفاقم الاحتجاجات الشعبية العارمة في 25 يناير، أدرك النظام الحقيقي أن العنف لن يجدي هذه المرة، فلجأ إلى محاولة امتصاص غضب الجماهير، وسعى لإعادة الأمور إلى نصابها.
عيّن النظام نائبا للرئيس، وغير رئيس الحكومة، وأعلن عن زيادات في المرتبات والمعاشات كما سبق، ووعد بإصلاحات وتنازلات اقتصادية، ووعد بمحاسبة الفاسدين، وأكّد تراجعه عن التمديد للرئيس أو التوريث لابنه.
لكن ذلك كله لم يثن الجماهير عن الاحتجاجات، بل تضاعفت الأعداد لأنهم سئموا من تلكم الوعود المتكررة. وحين بلغت التظاهرات الملايين، أدرك الذين يديرون البلاد أنهم أمام خيارين صعبين، أحدها أن يواصلوا تجاهل الاحتجاجات أو التصدي لها بالعنف والحلول الأمنية، وهو خيار قد يؤدي إلى سقوط جميع عناصر النظام.
أو أنهم يلجأون للتخلص من رأس السلطة (الواجهة) وهو مبارك وأسرته والمجموعة المحدودة التي تحيط به، لأن الجماهير لن ترضى بأقل من ذلك، وربما مع وعد منهم له بألا ينسوه وأن يسعوا لتسوية أمره بأقل الخسائر الممكنة.
“النظام الحاكم الفعلي” اختار التضحية بالرئيس وحاشيته حفاظا على بقية العناصر، وتبنى سياسة الانحناء المؤقت لحين تدبير الأمور بعد أن انهارت رهاناتهم على إصلاح الخلل وإعادة الأمور إلى نصابها.
لذلك رحل مبارك، لكن النظام لم يسقط، وحاول العودة من خلال أحمد شفيق فلم يفلحوا، فواصلوا التربص وكانوا على استعداد لمحاربة أي فصيل آخر أو فرد (غيرهم) يصل للسلطة إن كان سيشكل مصدر تهديد لهم فضلا عن كشف وقائع الفساد ومحاسبة الفاسدين.
لهذا فإن القضية أبعد من وصول الإخوان أو غيرهم، وأعمق من وقوع الرئيس مرسي في أخطاء هنا وهناك، وكانوا على استعداد لتشغيل تلكم الآلة الإعلامية الهائلة لشيطنة أية مجموعة سواء من الإخوان أو من الناصريين أو من العلمانيين لحين مرور العاصفة وعودة السيطرة الحقيقية لهم.
إذا النظام السابق الحقيقي في مصر لم يسقط، إنما واجهته فقط، لذا عمل المتحكمون في أوصال الدولة على إفشال إدارة مرسي، وتضخيم أخطائهم، وغل أيديهم، والتصدي لأي إنجاز له، وافتعال الأزمات وإسقاطهم إعلاميا ثم فعليا، وتم لهم ذلك عبر تحريك قطاعات الشعب بواجهة تمرد، وتمويل من الداخل والخارج.
على السريع:
غير لاهٍ عِداكَ فاطَّرِح اللَّهْــــــــوَ ولا تَـغْتَرِرْ بِعارِضِ سِلْمِ.