الملك: “هو تمرّدٌ إذاً؟”، الدوق: “لا يا سيدي،،، إنها ثورة”. عبارتان تبادلهما الدوق (دولاروش فوكو) مع الملك الفرنسي لويس السادس عشر حين أيقظه ليلة 14 يوليو 1789م ليخبره بنبأ استيلاء الثّوار على الباستيل.
وبخلاف نتائج الثورة الفرنسية وأخواتها الأوروبية؛ نكرر سؤال الأمس: هل أدّت الإطاحة بالرئيس السابق مبارك والمجموعة المحدودة التي كانت في واجهة الدولة إلى سقوط النظام كما طالبت الموجة الثورية المصرية أم لا؟.
لابد قبل ذلك من بيان نقطة مهمة، وهي أن ما نقلناه حول خطايا النظام المصري السابق كان مصدره الرئيسي المصريون أنفسهم؛ وهي خطايا تشترك معه فيها كل الأنظمة العربية بنسبة أو بأخرى وكأنهم تخرّجوا من كليّة واحدة!.
لقد باعوا بعض مصانع مصر، والأهرامات (الصناعية) بأقل من ثمن الأرض التي بنيت عليها! وفتحوا الأبواب لتدمير الزراعة المصرية حتى تقدّم الصهاينة في زراعة وتصدير القطن بدلا من مصر.
النظام السابق قَبَرَ جميع مشاريع تقنين الشريعة الإسلامية، وفي حقبته صارت المساجد تغلق بعد الصلاة مباشرة بشكل لم تعرفه مصر منذ أن دخلها الإسلام!.
في الحقبة السابقة أصبحت مناصب العمد في القرى والعمداء في الجامعات بالتعيين من قبل أجهزة الأمن، وكرّس النظام جهاز الشرطة لخدمة الأسرة وتزوير الانتخابات، وقهر شرفاء الشعب، وغفلوا أو تغافلوا عن أمن وأمان المواطنين.
يكاد يجمع المصريون في العقود الثلاثة الماضية أن النظام أطلق أيادي البلطجية وأصحاب السوابق بلا حدود في إسكات وتأديب المعارضين حتى أصبحت سمة من سماته الرئيسة وما قصة قتل المواطن خالد سعيد عنا ببعيد!.
نعم حدثت ثورة إعلامية في مصر، لكن النظام عبر أصحاب الأموال جيّر الإعلام لغسيل مخ الجماهير ومهاجمة كل من يختلف مع المتحكمين في مراكز القوى. أما الثقافة؛ فتصدرها الزنادقة وغلاة العلمانية، وصارت الجوائز العلمية حكر عليهم، وشجعوا الفنون السخيفة والماجنة.
التعليم أيضا لم يسلم من يد العبث فقد سعوا من خلاله لطمس الهوية الإسلامية إلى درجة أن الكتب الإسلامية جمعت من بعض الجامعات وأشعلت فيها النيران (محمد عمارة، ثورة 25 يناير ص 61)، ثم شجعوا التعليم الخاص بعد أن أضعفوا التعليم الوطني العام.
لقد بدأ رمز النظام المصري السابق فترة حكمه بحكمة “الكفن ليس له جيوب”، ولكنه ومع ذلك أنهى حكمه وهو وأسرته وحاشيته يملكون ثروات تقدر بالمليارات.
النظام المصري السابق ومثله الكثير من الأنظمة تبلّدت، وغشّها مستشارو السوء والطبّالون وزيّنوا لها، فلم تشعر بالغصة التي شعر بها البوعزيزي (مطلق الشرارة الأولى في ديسمبر 2010)، ولم تهتم بما تعانيه شعوبها من البطالة والفقر والإحباط، لدرجة أنهم منعوا البوعزيزي من أن يتكسب من خلال عربة خضار مهترئة.
لقد عبّرت الشعوب بتأكيد جمعي وصوت عالٍ أن لها “إرادة” وأنها “تريد”. تريد إسقاط كل من يحول بظلمه وجبروته وفساده بينها وبين كرامتها وحقوقها، بل تريد الحياة ذاتها كما عبّر التونسيّون.
تفاوتت تحركات الشعوب في احتجاجاتها بدءا من المسيرات والتجمعات إلى التمرد والعصيان المدني، وصولا إلى المواجهة المسلحة. مع ذلك كله؛ يرى البعض أن الثورة المصرية لم تحقق مرادها من إنهاء الفساد، ومحاسبة الفاسدين الذين جعلوا نسبة (18 %) من الشعب تحت خط الفقر الدولي (2 دولار)، و(41 %) منه يعيشون على (2.7 دولار) يوميا، وبدء حقبة جديدة من الحكم الصالح.
ترى ممّ كان النظام المصري السابق يتكون؟ وهل سقط فعلا بكل أو بأهم مكوناته؟ وما الذي تغيّر بعد 25 يناير، وهل يعد تنحي الرئيس تغييرا للنظام؟ أسئلة نحاول أن نتلمّس إجاباتها في المقال القادم فإلى لقاء.