العدد 1847
الإثنين 04 نوفمبر 2013
حديث الدين النصيحة وأثره في الحكم والسياسة والانتخابات إبراهيم بوصندل
إبراهيم بوصندل
لمن كان له قلب
الإثنين 04 نوفمبر 2013

عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “الدين النصيحة”. قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: “لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم”. رواه مسلم رحمه الله تعالى.
قال أهل اللغة: “نصح الشيء: خلص، وأصل النصح الخلوص. والناصح: الخالص من العسل وغيره. والنصح: نقيض الغش. ومنه التوبة النصوح: الخالصة.
وأطال الإمام الخطابيّ في شرح هذا الحديث وقال عن النصيحة إنها من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، فإنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة.
هذا الحديث بالمناسبة عدّه العلماء “أحد الأحاديث التي يدور عليها الفقه” كما قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى، بل ذكر عن محمد بن أسلم أنه وصف الحديث بأنه “أحد أرباع الدين”.
لكن ما معنى أنه أحد أرباع الدين؟ قالوا لأن سائر أصول وفروع الشريعة الإسلامية من جهة الاعتقاد والعمل والسلوك وغيرها تدخل في معناه، وعليه فإن المسلم إذا آمن بهذا الحديث وطبّقه تطبيقا عمليا فإنه سيعمل بسائر الشريعة.
وقد بدا لي (ولم أقرأه عن العلماء لقلة اطلاعي) أن المقصود ربما يكون ذا علاقة بسورة العصر فإنها اشتملت على الإيمان والعمل والتواصي بالحق (النصح) والصبر، وهذه الأربعة أشياء هي الدين، وعليه يكون النصح ربع الدين والله أعلم.
قضية النصيحة والنصح أعمق من ظاهر الحديث لمن لم يتعمق في دلالاته، فالنصح قد ورد في كتاب الله تعالى وسنة نبيه وسلم من الأنبياء لأممهم، وورد النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأمة المسلمين وعامتهم، وورد النصح لكل مسلم، بل جعل النصح من حقوق المسلم على المسلم، والنصح لولاة الأمور، وفي بعضها نصح ولاة الأمور للرعية.
إن النصح يتعدى بناء على ذلك المدلول الظاهري للكلمة، فهو يقتضي القيام بأداء التكاليف الشرعية والبعد عن النواهي، ويتضمن الاجتهاد بالتقرب إليه بفعل الطاعات وترك المكروهات من فرائض أو نوافل.
أما فيما يخص الحكم والسياسة والانتخابات؛ فإننا لو آمنا بهذا الحديث وطبقناه، فإن النصيحة تعني تعليمهم أمور دينهم ثم دنياهم والإرشاد والتذكير والسعي لهم بالمصالح الدينية والدنيوية، وإسداء النصح لهم وأن نحب لهم ما نحب لأنفسنا، ونعمل لألفتهم وجمع كلمتهم، وأن نبين لهم الحق ونعرّي أمامهم الباطل ونحول بينهم وبين الغش وسائر ما يضرهم، وندفع كل مكروه عنهم.
النصح يكون في النفس بفعل خصال الحق والتمسك بها والدفاع عنها، ويكون في الغير بالتعليم والتوجيه والإرشاد والإعانة على الحق والأمر بالمعروف، والتخذيل عن الباطل والنهي عن المنكر، وأداء أمانة الكلمة.
وكان السلف الصالح رضي الله عنهم يهتمون بأمر الدين والمسلمين ويقدمونهم على أنفسهم، حتى أن أحد السلف وهو زهير بن نعيم البابي كان يقول: “وددت أن هذا الخلق أطاعوا الله، وأن لحمي قُرِضَ بالمقارض”.
ومن أئمة المسلمين قال الخليفة الزاهد عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى: “يا ليتني عملت فيكم بكتاب الله، وعملتم به، فكلما عملت فيكم بسنة وقع مني عضو حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي”.
وهكذا فعل من كان قبلهم من التابعين والصحابة اقتداءً بنبيهم صلى الله عليه وآله وسلم الذي ضرب لهم أروع المثل في التضحية بالنفس وإخلاص النصيحة.
ولعلنا بعد هذا لا نحتاج للدخول في تفاصيل عن تطبيق هذا الحديث في الحكم والسياسة والانتخابات والبيع والشراء وسائر المعاملات، والإعلام والقانون وسائر المجالات.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .