العدد 1840
الإثنين 28 أكتوبر 2013
السلفية الحقيقية (1) إبراهيم بوصندل
إبراهيم بوصندل
لمن كان له قلب
الإثنين 28 أكتوبر 2013

في إحدى الدروس العلمية سأل شابٌ بحرينيٌ الشيخَ الأردنيَ فقال: صدمت واحدة من الجن فقتلتها فهل علي كفّارة؟ فسأله الشيخ: ولكن كيف رأيتها؟ الطالب: صدمتها بالسيارة ووقعت على الأرض فحملتها ووضعتها جانبا!.
قال الشيخ: ولكن هذا لا يمكن لأن الله عز وجل يقول “إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ” [الأعراف 27]! وهنا تدخل طالبُ علمٍ آخر وشرح للشيخ أن الطالب لم يصدم امرأة من الجنّ، إنما صدم طيرا من طيور النورس وهي تسمى في البحرين “جن”.
حينها قال الشيخ: فعلا إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فالذي لا يتصور أمرا يصعب عليه الحكم عليه.
من هذا القبيل أعني من قبيل الحكم بلا تصور ما نلحظه اليوم من ادعاء فهم الدين عموما والسلفية خصوصا حق الفهم من قبل أكثر من فريق؛ سواء الذين ينتمون للمدرسة السلفية، أو الذين يعادون السلفية وينتقدونها.
إن بعض من يدعي السلفية اليوم يحتكر فهم هذا التراث العظيم وتطبيق السلوك القويم في نفسه أو جماعته، أو في بعض علمائه وشيوخه، وينحِّي عنها كل من خالفهم أو خالفه هو في كبير أو صغير.
قال الشيخ محمد العثيمين رحمه الله تعالى: “السلفيَّة هي اتباع منهج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه؛ لأنهم سلفنا تقدموا علينا، فاتِّباعهم هو السلفيَّة، وأما اتِّخاذ السلفيَّة كمنهج خاص ينفرد به الإنسان ويضلل من خالفه من المسلمين ولو كانوا على حقٍّ، فلا شكَّ أن هذا خلاف السلفيَّة، فالسلف كلهم يدْعون إلى الإسلام والالتئام حول سنَّة الرسول، ولا يضلِّلون مَن خالفهم عن تأويل، اللهم إلا في العقائد، فإنهم يرون من خالفهم فيها فهو ضال”.
وقال رحمه الله: “لكن بعض من انتهج السلفيَّة في عصرنا هذا صار يضلِّل كل من خالفه ولو كان الحق معه، واتَّخذها بعضهم منهجاً حزبيّاً كمنهج الأحزاب الأخرى التي تنتسب إلى الإسلام، وهذا هو الذي يُنكَر ولا يُمكن إقراره”.
“فالسلفيَّة بمعنى أن تكون حزباً خاصّاً له مميزاته ويُضلِّل أفراده سواهم، فهؤلاء ليسوا من السلفيَّة في شيء. وأما السلفيَّة التي هي اتباع منهج السلف عقيدةً وقولاً وعملاً واختلافاً واتفاقاً وتراحماً وتوادّاً.. فهذه هي السلفيَّة الحقَّة”. “لقاءات الباب المفتوح” السؤال رقم 1322 باختصار يسير.
على الجانب الآخر إن السلفية ليست كما يظنها الذين ينتقدونها دون علم حقيقي بأصولها وإنما يحكمون عليها من خلال تصرفات بعض المنتسبين لها وعلى هذا يرون أنها ليست إلا “محاولات لإعادة إنتاج الماضي”.
السلفية ليست تعلّقا حرفيا بعادات وأعراف القدماء، ولا اعتبارهم معياراً لقبول أو رفض كل جديد سواء كان في الدين أو في الدنيا، ولا اتباعهم دون تمحيص.
ويخطئ من يظن أن السلفية تقليد أعمى للسابقين، واستصحاب آرائهم الشخصية والزمانية والمكانية لحل مشكلات هذا العصر، ولذلك يطلق عليها الذين لم يفهموها الماضوية.
لا شك أن في السلفيين كما في عموم المسلمين نماذج ينطبق عليها هذا الوصف، نماذج لم تتضلع بأصول الدين الإسلامي، ولا ارتوت من معين مقاصده العامة.
أما السلفية الحقيقية فهي حرب على التقليد فضلا عن التقديس، السلفية هي ثورة ضد الرجعية والاحتباس الاختياري في آراء الرجال ومذاهب الآباء والأجداد.
السلفية هي بكل اختصار “الإسلام الصحيح”، وهي تقوم على فهم القرآن الكريم والسنة المطهرة استرشادا بفهم السلف الصالح، وانطلاقا من التطبيق الصحيح لتعاليم الإسلام خصوصا في العهدين النبوي والراشدي ولا أعني التطبيق في مجال العقائد وإن كان هو الأهم، ولا الفقهي فقط وإنما أيضا التزكية والسلوك والجرأة في محاربة الكفر والشرك والردة والنفاق والظلم واستعباد الأحرار. وللحديث بقية.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .