يعتبر قرار العاهل المغربي الملك محمد السادس بمنع رجال الدين من ممارسة السياسة من أكبر وأهم القرارات في الوطن العربي التي اتخذت من وجهة نظري، فالظروف والأوضاع التي تسود مجتمعاتنا العربية لا تسمح لمزيد من تداخل الأمور وإفراز القوى المتطرفة التي اعتادت على الشحن من المنابر الدينية أكثر من أي مكان آخر. ومن هنا تبرز الضرورة بإبعاد رجال الدين عن الخوض في أمور السياسة؛ كون المنبر الديني له خصوصيته، والتي تتجلى في النصح والإرشاد، ونشر قيم التسامح والتعايش والمحبة.
لذلك ما أحوجنا نحن في البحرين إلى قرار مماثل، فالوضع يقتضي منا ويحتم علينا العمل السريع على منع عيسى قاسم من إلقاء الخطب السياسية والثورية المحرضة التي تدفع بالشباب إلى أتون الإرهاب وزرع الأحقاد في نفوس المستمعين لمحاربة الوطن ورفع أصواتهم على القيادة وولاة الأمر. فكل خطب عيسى قاسم وبقية رموز الانقلاب مليئة بالتحدى والتحذير، وأفكار هدامة شريرة تقود المتلقي إلى الهاوية. خطب بعيدة كل البعد عن المسار الصائب المفضي إلى تحقيق الأهداف المرجوة. فعيسى قاسم يستغل هذه الخطب والمنبر الديني من أجل تأمين تحقيق أهدافه ومآربه التي لا تخدم الوطن، والحكومة تعرف ذلك جيدا، وتدرك عواقب الأمور، ولكن لا نعلم سبب التهاون والتخاذل أمام الحملات الشرسة التي يقودها من على المنبر.
الإجراء الذي اتخذه المغرب الشقيق يتعلق بالأمن والاستقرار وإبعاد المجتمع عن الإرهاب وتعديل الميزان، وجعل كل شيء تحت سيطرة الحكومة، وليس تحت سيطرة دعاة العنف وصناع الإرهاب.
على وزارة العدل أن تسد بعض الثغرات التي يستغلها المتشددون بقصد تعكير حالة استقرار المجتمع وتهديد السلم الأهلي، فالمنبر الديني في البحرين تم استغلاله من قبل الوفاق واتباعها في دعم الإرهاب وإمداده بالسند المادي والتنظيمي والمعنوي الكافي ليقدم الإرهابيون كل ما لديهم. أكثر دولة تعرضت للإرهاب في المنطقة العربية خلال السنوات الثلاث الماضية هي البحرين، ولا حاجة لذكر الحقائق المتعلقة بالتخطيط والمؤامرات وتبيان أخطارها، ورغم ذلك مازلنا نمشي ببطء في معالجة هذا المرض والخطر الذي يهدد مجتمعنا. أمامنا خطر قائم وتخطيط يستهدف الوطن من على المنبر ونحن لا نزال نكتفي بإرسال مذكرة تنبيه للمتشددين من أمثال عيسى قاسم واتباعه. وكأني بالجهات المسؤولة تجد صعوبة كبيرة في إيقاف أولئك المتشددين عن الخطابة نهائيا واقتحام منطقتهم المليئة بالبضائع الخطرة.
إن لم تطبق البحرين قرارا مماثلا وتمنع الخوض في الأمور السياسية من على المنابر الدينية والمآتم وسائر دور العبادة، فسوف تجابه مشكلة ستزداد حجما مع مرور الوقت ومن ثم سيزداد الوضع خطورة. يكفينا دعوات مكتوبة في الصحف وكلمات مكررة مثل “إبعاد دور العبادة..الالتزام بالقانون..النأي...ندعو... إلخ!”.
هذه الأسطوانة لم تعد تنفع، لقد رددتها الجهات المختصة لأكثر من ثلاث سنوات على مسامعهم وتنشرها لهم في الصحف بشكل يومي، ولكن التصعيد بقي كما هو والمحاولات الرامية إلى تزييف الحقائق ودعم الإرهاب أصبحت ظاهرة من على منبر عيسى قاسم وغيره من المتشددين.
المخاطر تزداد والتعقيدات تتوالى والقوى المعادية للبحرين تخطط ليل نهار، ونحن مازلنا غير قادرين على أصدار قانون رادع يبعد دور العبادة عن الأمور السياسية وتحويلها إلى معسكرات للشحن الطائفي ومحاربة المجتمع. عيسى قاسم يهدد ويتوعد بالخراب والتآمر في السر والعلن ويعمل من على منبره على تشويه المفاهيم الوطنية، ولغاية اليوم الجهات المعنية غير قادرة أو بمعنى أصح مترددة في وضع حد نهائي لتطاوله المستمر ودعمه للإرهاب والعنف.
نتمنى كشعب ملَّ من الإرهاب والتخريب باتخاذ موقف حازم مثل المغرب الشقيق، ومنع رجال الدين من الدخول في مضمار السياسة، وعدم التهاون معهم وترك دور العبادة بأن تتحول إلى مرتع للتحريض على العنف والإرهاب كما يفعل عيسى قاسم.