لقد أضحت مهزلة إهمال بعض المسؤولين وعدم تجاوبهم مع ما يطرح في الصحافة من تحذيرات وتوجيهات عن أوجه القصور هنا أو هناك أمر لا يطاق، والسبب الرئيس للحريق الثاني الذي اندلع في السوق الشعبية “المقاصيص” يوم الخميس الماضي هو الإهمال ووضع المسؤولين أصابعهم في آذانهم، والحصيلة حريق كبير كاد يقضي على الأرواح.
لقد نشرتُ منذ فترة صورة وتعليقا في “البلاد” تظهر مولد كهرباء “جنريتر” وبجانبه “دبة بترول” وملابس وأدوات كهربائية، وحذرتُ يومها القائمين على السوق الشعبية من تكرار كارثة الحريق الأول إذا لم ينتبهوا إلى مثل هذه الأخطار والإهمال، وبدلا من التجاوب حدث العكس، اتسعت المخالفات وامتدت الأخطار إلى “الفرشات” كافة الموجودة بالسوق، حتى أصبحت تشكل شريطا طويلا من القنابل الموقوتة، والمسؤولين الكرام بدلا من تلافى المشكلات منحوا الفرشات حرية أكثر ولاسيما “فرشات” الآسيويون المتلاصقة جنبا إلى جنب التي تفتقر إلى أبسط قوانين السلامة. والغريب في الأمر أن مفتشي البلدية يقومون بجولات شبه يومية في السوق الشعبية، ويشاهدون التجاوزات والأخطار أمامهم، ولكن لا يضطلعون بدورهم بشكل صحيح مما يؤكد عدم اهتمامهم بتنفيذ القانون وترك الفرشات المخالفة دون عقاب رادع.
أما النواب البلديون، فأقول لهم: متى تستطيعون ضبط أنفسكم، وتقومون بمتابعة وتنفيذ البرامج والخطط التي نسمع عنها فقط، ولا نراها على أرض الواقع؟ أين رقابتكم وأولويات أعمالكم؟ عندما حضر سيدي معالي وزير الداخلية الفريق الركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة إلى موقع الحريق للمعاينة والوقوف على كفاءة رجال الدفاع المدني، جئتم وراءه لتبينوا أنكم متابعون. طيب.. أين أنتم من قبل وتجاوزات السوق الشعبية تصل إلى مكاتبكم يوميا؟ هل قمتم بجولات وناقشتم المسألة مع المسؤولين الكبار الذين يتحملون المسؤولية الكاملة عن هذه المأساة بكل مراحلها ومستوياتها؟ لماذا لا يراكم المواطن إلا بعد وقوع الحوادث؟ إن كنتم عاجزين على تنفيذ المهام وخدمة المواطن ومتابعة ما يحدث في الشارع ابقوا في بيوتكم واتركوا المنصب لغيركم.
ما حدث في السوق الشعبية لا يتحمله البائعون البسطاء الذين يسترزقون من فرشات لا تدر عليهم سوى حفنة دنانير، وإنما من يتحمل هذه الكارثة التي تحدث للمرة الثانية هم المسؤولون المعنيون الذين لا يعيرون أدنى اهتمام للصحافة التي تكتب وتنبه وتبين لهم الصورة الناقصة في مختلف الجهات، وتطلب منهم النزول إلى ساحة خدمة المواطن وتصفح ملفاته وحل مشكلاته والعمل على تحقيق متطلباته. نريد مسؤولين صادقين وجنودا مجندين وحماة لمصلحة المواطنين، لا مسؤولين ينفرون من الملاحظات التي تكتبها الصحافة ويغلقون مكاتبهم في وجوه المراجعين البسطاء.
لقد كان بالإمكان تجنب حريق السوق الشعبية المدمر الثاني، وتفادي النواقص والأخطاء لو كانت هناك آذان صاغية ومتابعة حقيقية من قبل المسؤولين والجهات المعنية. للأسف هناك جهات حكومية، ومنها البلديات تسير على خطط وسياسة يمكنني القول عنها بأنها ليست في الإطار الصحيح، ومعظم الكتابات تنتقد تلك الخطط والأوضاع المتقلبة للمجالس البلدية التي تلفت أعصاب المواطن وسببت لهم اليأس حتى ضاقت به السبل.
السوق الشعبية يتعرض لحريق كبير للمرة الثانية ومازلتم لا تأخذون بتوجيهات سيدي صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خيلفة رئيس الوزراء حفظه الله ورعاه. سموه يعطي اهتماما كبيرا لكل ما يتصل بأرزاق الناس، ويؤكد أهمية وضرورة توفير أفضل مناخ ممكن لمثل أولئك الباعة في السوق الشعبية، ولكن مازالت المسؤولية والتنسيق بين الجهات المهتمة بشؤون السوق الشعبية غير واضحة المعالم، والقرارات التي صدرت يوم أمس لإعادة هيكلة السوق وإزالة الفرشات متأخرة جدا، وكان بالإمكان تنفيذها منذ فترة طويلة وليس بعد خراب مالطا!
يا جماعة ... يجب أن تقوموا بدوركم بفعالية أكثر وجدية في المرحلة القادمة، ويكفي هذه المنطقة حرائق. الخلل فيكم، فأصلحوا!