لا أدري متى سينتبه الناس في مجتمعنا إلى أهمية الفنون ويتركون عنهم “الخمول والبلادة”، الأمسيات الموسيقية، والمعارض التشكيلية، والعروض المسرحية، تشتكي من خصام حاد مع الجمهور، وكأننا شعب متخلف.
في هذه الفترة التاريخية التي تغيرت فيها الشروط الحياتية، والمفاهيم الاجتماعية، والمقاييس المعيارية، وظهر الاضطراب في حياة الإنسان كنتيجة للاضطراب الروحي والقلق النفسي، أخذت أهمية مواضيع الفنون بالازدياد في مختلف بلاد العالم وأخذ الإنسان الحديث يسعى إلى اكتشاف نور جديد يضيء له سبيل حياته، ويبدد ما أصابه من قلق نفسي، واضطراب حياتي، وظلام روحي، في عصر يسميه بعض المتشائمين “العصر الأسود” مما جعل مواضيع الفنون بمثابة مشاعل فكرية تسهم في نشر المعرفة وزيادة الاطلاع، وتزيين حياة الإنسان المعاصر برؤى جمالية تدفعه إلى العمل، وتحثه على الإبداع وتسهم في بعث الغبطة الجمالية في نفسه، وإثارة النشاط في كيانه، وإشراق الأمل في حياته والقضاء على قلقه النفسي واضطرابه الحياتي وظلامه الروحي.
وليت الناس في مجتمعنا يعلمون أن ميدان الفنون أصبح واسطة تفاهم وتعاطف، ومصدر تفاؤل وسعادة، وموضوع تسابق وتفاخر بين الأمم، ولغة تخاطب وتعارف بين الشعوب. ففي عصرنا الحاضر أصبح كل من الأدب والفنون والعلم سفير معرفة ومودة ورسول سلام ووئام. والفن يسمو بالروح ويطهر النفس ويصعد الميول، كما أنه يمثل أحلام الأمم ويعبر عن مثلها العليا الإنسانية، ويدل على مدى ما وصلت إليه في دنيا الإبداع، واعتبرت الروائع الفنية بمثابة الوجه الجميل للحضارات، وخير ما يمثل تراث الإنسان، ويدل على إبداعه، ويعبر عن رؤاه الجمالية، ونظراته الحياتية، ومفاهيمه الإنسانية. فميدان الجمال والفنون خير ميدان للقاء الإنسان بالإنسان، وأقرب سبيل لاكتشاف الإنسان من جديد في صور فكرية، وأفكار مصورة.
لقد قالت وزيرة الفنون البريطانية جاني لي ذات يوم في حملتها للنهوض بالفنون “ان طموحي يرمي إلى تعميم تقدير الفن، فآمالي أن يستطيع الشعب بكل طبقاته تذوق الموسيقى والفنون التشكيلية والتصويرية الراقية، لقد وجدت تجاوبا من أهل الطلاب فهم يرغبون في أن يتفهم الأولاد معاني هذه الفنون، ولا شك أن هذه الظاهرة من دواعي التشجيع لحملتنا إذ أصبح من المتوقع أن يدعم سيرها جميع الآباء والأمهات المتنورين.. إن الفنون يجب أن تدعم من قبل الشعب ومن اجل الشعب”.
حقيقة... المبدع البحريني كثيرا ما يلاقي الصعوبات من الجامدين في مجتمعنا الذين يجعلونه يشعر بالنفور من واقعه، والاشمئزاز من بيئته، ولكنه لا ينقطع أبدا عن الإبداع، ولا يتوقف أبدا عن الاستمرار بالقيام بعمله الفني الجميل “مسرح، رسم، شعر، موسيقى” بل إنه يمضي في أداء رسالته الإنسانية وكأنه يردد، إن ما نبدعه هو للتراث الإنساني.. فكلي أمل أن يتم تعميم الثقافة الفنية بين عامة المواطنين وتربية الذوق وإعدادهم إلى تفهم وتقدير المتعة المادية والمعنوية التي توحيها الفنون الراقية.