كيف تدمر الأمة نفسها! كيف تتحول من أمة متكاملة لها لغتها واقتصادها وحدودها وتاريخها، فتتخلى عن الحاضر والتقدم نحو المستقبل لتعود قرونا للوراء، تعود لمرحلة مظلمة بحثا عن الخلاص، ويتساءل المرء الخلاص من ماذا؟ من الحاضر أم من مستقبل لا ترى فيه فسحة من نور، أم تهرب من ذاتها وضعفها وتعتقد ان الهروب للخلف هو الحل.
تعلمنا في المدرسة والبيت والمجتمع والمسجد أن «اللي أكبر منك بيوم أعلم منك بسنه»، لذى نأخذ الحكمة والموعظة من افواه الكبار، اليوم نرفض أن نأخذ الحكمة والعلم مما يحيط بنا كما فعل اجدادنا سابقا ونكتفى بسفاسف الأمور. أو نكتفي بأخذ ما هو مهم وتحويله لسلاح نهدم فيه ما تبقى من قيمنا وثقافتنا. فما بالك اذا كان الأعلم منا، اعلم بمسيرة قرون. للتاريخ حكم لأنه اكبر من الجميع وهو المدرسة التي نتعلم من مناهجها الكثير خصوصا انها مناهج تتغير وتتحول وتأتي من مصادر متنوعة. ولكون العرب معروفين بجمودهم العقلي والثقافي بعد عصر التنوير، نراهم يهرولون للاستزادة من مناهج اثبت الوقت انتهاء صلاحيتها وموتها السريري. فلا نعرف الحكمة من الاصرار على ابقائها تحت اجهزة الانعاش.
سابقا وقبل اكثر من مئة سنة إبان الاستعمار الغربي المباشر للوطن العربي كان يعزى الجمود الفكري للهيمنة الاستعمارية، ولا خلاف في اهمية هذا العنصر وتأثيره ولكن دائما هناك قاعدة تقول ان الخلل لا يمكن ان يأتي من جهة واحدة بل كل جهة تتحمل جزءا منه، ولعل هذا ما أخرج الجماهير العربية مطالبة بالاستقلال. وبعد مرحلة الاستقلال رغم التفاؤل الا ان الجمود الفكري، يضاف اليه الجمود العقائدي وبدأ الجميع يبحث عن من يلقى عليه باللوم عوضا عن محاولة النهوض والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة والمستعمرة في مواجهة عقبة التقدم. الدول المستعمرة كانت تنهض من كبواتها وفشلها بنجاح اكبر وتوسع اقتصادي وثقافي اعمق انعكس ايجابا على المستوى المعيشي لشعوبها، نرى القيادات العربية عوضا عن الاستزادة من مناهج الغرب تترك كل ما هو ايجابي وتدفع بكل مساوئ الاستعمار وتعمقها اكثر خوفا على وجودها وما تستنزفه من ثروات على حساب شعوبها.
نعم كنا يوما نستزيد وننهل من الفلسفة اليونانية والرومانية حتى حولنا كل ما أخدناه الى تحول ثقافي تاريخي اضاف للتراث الإنساني الكثير ودفعه للأمام إلا ان هذا كله لم ينعكس على الواقع المعاش للإنسان العربي فظلت كل انجازات ابن سيناء وابن رشد حبيسة الكتب والمكتبات ومجالس الحكماء والفلاسفة، فليس المهم ان تخترع شيئا، المهم كيف تحوله الى ادوات تخدم بها شعبك، وهذه الأدوات استطاع الغرب ان يوجدها، فخرجوا من قرون الظلام الى عهد النور وبناء الدولة وتحويل كل مؤسساتها الى ادوات تخدم شعوبهم، ولم يرفضوا الاستفادة ممن هم اكثر علم وحكمة، والإصرار على الرجوع للخلف، كما نراه اليوم في العالم العربي.
تعلم الغرب الكثير من الحروب التي احترقوا بنارها وعوضا عن ان تجرهم للخلف جعلوها اداة للتقدم للأمام، واليوم لن تجد اي مواطن غربي يدعوا للحرب بل الحوار والتفاوض مهما تعقدت المسائل. ولكنهم سيكونون اما متفرجين او محرضين او داعمين عندما تتعلق الحرب بالآخر. لقد فتحوا كتب التاريخ وتعلموا من الاخ الاكبر ان استمرارهم واستمرار حضارتهم مبني على تحكمهم بما يدور حولهم وإضعافه. ولعل مسألة حقوق الاقليات والاثنيات ومحاربة العنصرية والحقوق الدينية، والتشديد على حقوق الإنسان والمرأة والامم المتحدة واتفاقياتها وبرتوكولاتها وغيرها من الادوات التي لا يختلف احد على اهميتها، هي اهم الادوات التي تستخدم لقهر الانسان العربي سواء من دول الغرب التي وضعت هذه الادوات لحمايتها من بعضها البعض ولتضمن عدم العودة لحروب مدمرة تدمر أوطانها إلا انها ومع الوقت استطاعت تطويعها للهيمنة على الآخر وإضعافه. متى سنكون قادرين على معرفة عدونا الحقيقي وتدميره عوضا عن تدمير ذواتنا وتاريخنا وكل ما يمكن ان نبني عليه للنهوض نحو المستقبل وإيقاف أحهزة الانعاش عن مناهج تتوسلنا ان نقفز عليها.