العدد 2090
السبت 05 يوليو 2014
سلوى بوقعيقيص زينب الدرازي
زينب الدرازي
السبت 05 يوليو 2014



وسقطت أول شهيدة نسائية علمانية على تراب ليبيا مضرجة بدمائها، شهيدة حقوق الإنسان والمرأة والمدافعة عن الرأي الآخر. ليبيا التي اصبحت تقاد من اكثر من نسخة لمعمر القذافي بعد سقوط النسخة الاصلية اثر ثورة وصفت بالشعبية والجماهيرية لتقضي على جمهورية القذافي الشعبية الاشتراكية العظمى، جمهورية القمع والاستبداد التي ورثت مجموعات استبدادية وقمعية أشد شراسة تلعب بمصير الشعب الليبي. اليوم وليبيا تعيش الفوضى في سبيل تشكيل دولة وحكومة وبرلمان تعيش تحت رحمة حالة من التشتت والتفككك الذي تقوده مجموعة من المليشيات المسلحة التي بدورها تقاد من العديد من الشخصيات في الجيش والمجلس الوطني وغيرهم من اصحاب النفوذ. ويتضح من الصراع الداخلي ان المليارات النفطية تعمي العيون وتصبح المصلحة الشخصية هي من يحرك الأحداث عوضا عن المصلحة الوطنية العامة، وإن كانت هناك فرصة حتى يأخذ شكل صراع عقائدي بين الاخوان من جهة والجماعات الاصولية المسلحة من جهة اخرى، ليخفي تحته صراع المصالح الإقليمية والدولية. ورغم ان الناشطات الليبيات سعدن كثيرا بالتخلص من عهد القذافي وأبدين التفاؤل بعهد جديد من الحريات والديمقراطية إلا انه ومع مصرع المحامية والناشطة الحقوقية سلوى بوقعيقيص برصاص ملثمين اقتحموا عليها بيتها واغتالوا حارسها ومن ثم اردوها برصاصة في الرأس بعد ان اعملوا حرابهم في جسدها لتقع شهيدة لكلمتها وموقفها الذي رفض المليشيات ودافع عن الدولة المدنية ودعى الشعب الليبي للتصويت على اول برلمان بعد الثورة وكانت اول امرأة ليبية تدلي بصوتها. ان سقوط سلوى هو سقوط مدو لكل ما يدعيه المسلحون من تشدقات حول الحرية والديمقراطية وحقوق المرأة، فلا يمكن ان يتفق السلاح والقتل والذبح المجاني مع حرية الكلمة وبناء الدولة.
لقد كان لسلوى دور شجاع ومهم منذ بداية ثورة 17 فبراير 2011م التي اطاحت بالرئيس السابق معمر القذافي، فكانت من اعضاء الائتلاف الذي كان يدير شؤون مدينة بنغازي فور انطلاق الثورة. كما كانت عضوا بالمجلس الوطني الانتقالي الذي قاد البلاد بعد الانتفاضة على القذافي. وكانت سلوى تعمل في الجانب الحقوقي قبل الثورة وبعدها ظلت تعمل في نفس الملف حتى حازت منصب نائب رئيس هيئة المصالحة الوطنية في بنغازي، كما كانت تشغل منصب نائب رئيس الهيئة التحضيرية للحوار الوطني.
إن تصفية الناشطة الحقوقية سلوى، خصوصا بعد تهديدها بالقتل اكثر من مرة، لإسكات صوتها المنادي بالمصالحة لدليل على عمق الأزمة في ليبيا والمرحلة ليست مرحلة بناء وتشكيل مؤسسات بقدر ما هي مرحلة مصيرية، مرحلة بقاء ومرحلة الحفاظ على وحدة ليبيا كدولة واحدة بعيدا عن التقسيم.
حملت التيارات الاسلامية المتطرفة بأنواعها شعارات تبدوا براقة وجميلة ولكنها في حقيقتها شعارات اقصائية عدائية وقاتلة لكل من يخالفها. وسلوى بوقعيقيص واحدة ممن وقف ضد المليشيات الاسلامية المسلحة التي حولت البلاد الى ساحة حرب وصراع. وتجاهلت تهديداتها وذهبت بشجاعة لتصوت لبرلمان ليبيا ما بعد القذافي، فكان التصويت آخر عمل ديمقراطي قامت به ودعت اليه بقوة وشجعت عليه فدفعت ثمنه حياتها في نفس اليوم بحراب غادرة، لتغادر شهيدة وشاهدة على عمق الأزمة في ليبيا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية