عندما يفشل أي فريق عريق في أي من مبارياته المهمة نجد المدرب يفرض عليه خلال التدريب العودة إلى الأسس الأولية للتدريب لينشط ذاكرته وليوصل رسالة مفادها ان العودة إلى الثوابت هي اساس النجاح والانتصار. إن تنشيط ذاكرة المواطن العربي بأزمة ونكبة فلسطين أمر ضروري، فقد مر زمن طويل منذ بدايات القرن العشرين بعد انتصار الحلفاء على دول المحور في الحرب العالمية الأولى وإعلان وعد بلفور الذي ينص على إعطاء فلسطين لليهود، وكأن فلسطين ملك خاص لدول الحلفاء يتقاسمونها كما يشاءون، ويتلاعبون بمصير شعب له تاريخه وجذوره في ارض أجداده، هذا التاريخ الذي لم يشفع لهذا الشعب المنكوب.
ومع تفاقم الوضع الفلسطيني بعد الحرب العالمية الثانية حيث أنهت العصابات الصهيونية حياة الآلاف من الفلسطينيين وتم اقتلاع ابناء الوطن عبر التهجير ليصبح الجزء الأكبر من فلسطين تحت الاغتصاب الصهيوني، وهنا يجب ان ننوه - للتذكير فقط - الى ان الاغتصاب يختلف عن الاحتلال في القانون الدولي، حيث اغتصاب فلسطين يعني حق الصهاينة في الأرض التي اغتصبوها وهجروا اهلها، بينما الاحتلال يعني دولة تحت الاحتلال ضمن اتفاقيات تعطيها مع الوقت استقلالها وحريتها ويعتبر القانون الدولي محاربة المحتل حقا للشعب المحتل ولكنه يعتبر محاربة المغتصب إرهابا يجب محاربته وهذا ما ينطبق اليوم على حركة حماس.
لقد احتل الصهاينة فلسطين ولكنهم لم يستطيعوا احتلال القدس الا في العام 1967، فرغم كل النفوذ الصهيوني الا ان الغرب ظل مترددا في إعطاء القدس للصهاينة كنتيجة للوضع الدولي آنذاك، الا ان الخيانات التي توالت للأنظمة العربية والهزيمة التاريخية الفاصلة للجيوش العربية في حرب يونيو 1967 كانت نقطة تحول في تاريخ القدس. ومنذ تلك السقطة التاريخية اصبحت القدس تحت الاحتلال الصهيوني إلى اليوم. ولعل القدس هذه المدينة الدينية التاريخية لها وضعها الخاص بين المدن الفلسطينية، فهي تحتوي بين جدرانها وترابها وسمائها تاريخ البشرية الديني المقدس الذي يتمثل في قبة الصخرة والمسجد الاقصى وكنيسة المهد. واختزل الصهاينة كل هذا التاريخ في حائط المبكي وأصبحت القدس بقدرة قادر لا تمثل إلا التاريخ الديني اليهودي، وتحويل هذا التصور الضيق لتاريخ المدينة كأداة استخدمتها الحكومات الصهيونية المتتابعة لتهويد المدينة والإعلان عن ان القدس هي عاصمة دولة آل صهيون، وبالتالي بدأت مخططا مازال مستمرا إلى يومنا هذا ينفذ من خلال بناء المستوطنات والاستيلاء على الاراضي الفلسطينية وتهجير المقدسيين وطردهم من بيوتهم وأراضيهم. مما ضاعف اعداد المستوطنين مقابل المقدسيين العرب.
ولعل من أسوأ ما آل اليه وضع القدس هو النية بهدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم مكانه. وعزل مدينة القدس وضواحيها عن محيطها الفلسطيني في الشمال والجنوب. وأكثر ما يثير حنق الشعب العربي والفلسطيني بشكل خاص هو محاولات المجتمع الدولي بمساندة من اغلب الأنظمة العربية وعلى رأسهم دولة الرئيس محمود عباس التعامل مع واقع تهويد القدس وتحويلها لعاصمة للكيان الصهيوني على انه امر واقع بدأ يتكشف في المفاوضات الفلسطينية الصهيونية التي الغت الكثير من الثوابت الفلسطينية من بنود التفاوض على رأسها ملف الاستيطان وتهويد القدس وعودة المهجرين والقبول بالفتات مقابل التنازل المستمر عن الارض.
ويظل الأمل في الحفاظ على عروبة القدس في الشباب الذي مازال يقوم بالعديد من المحاولات ليلفت نظر العالم للوضع الفلسطينيي المنكوب، لعل آخر هذه المحاولات فعالية شبابية للقراءة، حيث أحاط آلاف القراء سور القدس التاريخي ومحيط كنيسة المهد حاملين الكتب بصمت يقرأون، وتضامن معهم المئات من الشباب العربي في الإسماعيلية بمصر وعمان في الأردن بحيث وصل عدد المشاركين لأكثر من 15 الف قارئ. هدف الفعالية هو الحفاظ على حالة القدس الثقافية امام التهويد الصهيوني الذي لا يتوقف عن تقطيع وطمس التاريخ العربي الفلسطيني. فهل سيتحرك الشباب العربي ليوقف هذا الطمس المستمر وفرض الصهيونية كأمر واقع كما يراد.