يعيش العالم اليوم حالة من الاضطراب لتصاعد العداء بين روسيا والعالم الغربي، فروسيا اليوم تشعر أنها قادرة ان تكون الولد المشاكس الذي يستطيع ان ينال ويفعل ما يرغب رغم انف الجميع. ما يحدث في جزيرة القرم اليوم هو امتداد للتمرد الروسي على التحالف الغرب ـ أميركي الذي بدأ بالوقوف مع النظام السوري ليتوسع ويمتد اليوم ليضم جزيرة القرم لروسيا على اعتبار ان المواطنين هناك من اصول روسية ويرغبون بالعودة للدولة الأم.
شبه جزيرة القرم تتمتع بحكم ذاتي ضمن الجمهورية الأوكرانية، وتقع في جنوبها، حيث يحيط بالقرم البحر الأسود من الجنوب والغرب ويشكل الروس 58 % والأكرانيون 24 % من سكان القرم. وتنبع اهمية القرم الاستراتيجية من وجود قاعدة بحرية روسية هي الوحيدة من نوعها في المياه الدافئة. فهي مقر اسطول البحر الأسود الروسي العسكري والنووي، الذي يقبع هناك منذ عهد القياصرة الروس. والأزمة السياسية التي تعيشها جزيرة القرم ليست بجديدة فهي تعود للعام 2004.
بدأ التوتر بين روسيا وأوكرانيا مع انهيار الاتحاد السوفيتي واعتبار شبه جزيرة القرم جزءا من اوكرانيا المستقلة. ولكن انضمام القرم لأوكرانيا اخرج الخلافات الاثنية إلى السطح، فالتتار المسلمون الذين ابعدتهم روسيا عن أوكرانيا، رغم انهم يشكلون 13 % من سكان القرم يطالبون بحقوقهم الشرعية “الجنسية وإعادة املاكهم وأراضيهم التي صودرت بعد ان تم طردهم من قبل السوفييت والتعويض عما اصابهم”.
واستمر التدخل الروسي في القرم. ففي سبتمبر 2008 اتهم وزير الخارجية الأوكراني روسيا بإعطاء جوازات سفر روسية إلى مواطني القرم. في 24 أغسطس 2009 خرج سكان القرم من اصل روسي في مظاهرات ضد الحكومة الأوكرانية، اعقبها في أبريل 2010 اندلاع خلاف حاد في البرلمان الاوكراني بسبب تمديد عقد الإيجار للقاعدة البحرية الروسية حتى 2042. وأدى تصاعد الاحداث في اوكرانيا بعد الاطاحة بالرئيس الأوكراني فيكتور بانوكوفيتش في 2014 إلى تزايد الأزمة في شبه جزيرة القرم، حيث تظاهر الآلاف من اصول روسية يطالبون بالعودة لروسيا واستقلال القرم عن اوكرانيا، قابل ذلك مظاهرات اثنية في اوكرانيا تؤيد الثورة على السوفييت والانحياز للغرب. وسارع الروس باحتلال المنشآت العسكرية المهمة في القرم مؤيدين من مجلس الاتحاد الروسي الذي وافق بالإجماع على طلب الرئيس بوتن استخدام القوات الروسية في أوكرانيا، وبهذا انقسمت البلد إلى قسمين، قسم مؤيد لروسيا وآخر للغرب.
ورغم كل الاحتجاج الأميركي والغربي على التدخل الروسي، نجد روسيا تذهب لدعم عملية الاستفتاء في جزيرة القرم حيث انتهى لصالحها بتأكيد 95 % تقريبا من سكان شبه جزيرة القرم رغبتهم في الانضمام إلى روسيا. وأدت هذه النتيجة إلى ان يعلن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الاميركية فرض عقوبات ضد 21 من المسؤولين الروس والأوكرانيين. ويتوقع المزيد من الاجراءات، حيث يعتبر الاتحاد الاوروبي وأميركا الاستفتاء باطلا طبقا للدستور الأوكراني. فجاء رد الرئيس بوتن سريعا ومستفزا فبعد ان كان قد اعترف بشبه جزيرة القرم دولة مستقلة، يوقع على قانون دستوري بضم شبه جزيرة القرم الى روسيا. وبذلك اصبح من حق روسيا كما صرحت ان تحمي الروس في شرق أوكرانيا وليس فقط استقطاع جزء منها. وبهذا وضعت روسيا مسمار جحا في أوكرانيا للتدخل في شؤونها متى تشاء.
ولم تعد للتساؤل اهمية الآن حول انسجام موافقة الاتحاد الاوروبي وأميركا على استفتاء تقسيم السودان واستفتاء استقلال تيمور الشرقية عن اندونيسيا بينما ترفض استقلال شبه جزيرة القرم عن اوكرانيا، فمن الواضح ان المصالح اصبحت هي اللغة الفاصلة، تتداول الدول الكبرى مصير الشعوب وتلعب بها دون ادنى اهتمام بمطالب هذه الشعوب وحرياتها في اختيار مصيرها ونظامها السياسي والاقتصادي.