وحده مرض السكلر ولفترة زمنية طويلة راح يتربص ببندقيته لاصطياد زهور كانت تجمل حديقة البحرين، كانت قلائد جيد وقطعة ألماس على وشاح وطن.
وكان المرض أصفر كطاعون، وغادرا كضبع يعتاش على جثث، ينشر الرعب في لعبة «الدومينو» في تلاحق الأبناء على طاولة الموت.
ما أشد وجعكم أيها الأبناء المنسيون، متكدسين بين أروقة المراكز الصحية، وفي صالونات وزارة الصحة تطلقون استغاثاتكم، متمسكين بورقة أمل من شجرة حياة متخشبة.
مر عليكم كثيرون دون التفاتة ولو بدعاء، ومن تأثر لكم اكتفى بحمل أكياس من التنهدات والحزن وندب الحظ، وسرعان ما تتناثر الأكياس هواء وترابا من شخير نوم عابر. الجمعيات السياسية، وكما هي العادة تمتلك موهبة النياحة وتوزيع الرطانات النضالية، فلم يستلم حزنكم أحد.
هكذا هم، حزن متكدس في زاوية وطن منسية، حتى ميكروفونات الانتخابات تجاوزتهم بسبب نسيان ملفهم الصالح بامتياز كمادة دسمة للمتاجرة الانتخابية والربح على مقاعد البرلمان الحريرية.
ملف يقطر دسومة على موائد السياسة، على جرح يمكن أن يتحول إلى حائط مبكٍ لتوراة حيتان السياسة، دمعة يمكن أن تتحول إلى مرآة كريستال لتزيين محيا أكثر من (زومبي) سياسي يجيد وضع المكياج.
ثوب وطني يمكن لكل راقص في أوبرا المسرح الاجتماعي بالرقص على أطراف الأصابع رغم وفرة الخزانة بآلام، إلا أن لا أحد انتبه لقيمة هذا الكنز الإنساني رغم آلامه.
ثلة قليلة من استثارها المشهد الدرامي وهي تسمع صراخ أبنائنا في المستشفيات وهم يمزقون الصمت بمكبرات الألم المنبعث من عمق الوجع المخبوء بين أسنان كرات دم حمراء وحشية. من هؤلاء زكريا الكاظم، حمل الصندوق مخبئا بين الأضلاع، واستطاع أن يوصله إلى سمو رئيس الوزراء.
كان سموه حاضرا في المشهد بكل أبعاده ومهتما ومتابعا، واستطاع بوقت قصير أن يحجز مقعدا لهؤلاء الأبناء في أروقة مستشفى السلمانية ويلم شتاتهم في مبنى خاص بهم ورعاية كريمة بطاقم مجهز من عدد كبير من ملائكة الرحمة البشرية مع تلاق متواصل مع رئيس جمعيتهم، يذكرني ذلك بمبادرته في استيعاب سموه لعائله من بلاد القديم كنت كتبت عنها فمنحها مشكورا شقة بالسنابس وأمر بتوظيف ابنها في البرلمان.
وهي حالة من حالات إنسانية كثيرة، ونحن بدورنا سنوصل لسموه مطالب الناس لتيقننا بسعة قلبه في استيعاب كل البحرينيين.
سموه بادر لتعزية أبنائه وكان آخرهم استقبال عائلة الكامل، إنه دليل على أن التواصل البحريني قدر، ولقاء سموه بأبنائه رهان يحمل نكهة عبق الماضي الجميل من تاريخ البحرين. وكلنا أمل في أبوة سموه بأن يتابع عائلة كل متوفى في تقديمهم على سلم أولويات الوزارة التي أكلت سوسة الفساد شجرتها الجميلة سنينا، وأن يحظى أبناء كل متوفى بأولوية الخدمات الوزارية من سكن ودعم مالي.
شكرا لسمو رئيس الوزراء لرعايته لأبنائه من مرضى السكلر، وشكرا لكل من ساهم في إيصال الصوت الحزين كزكريا الكاظم، الذي يعد أحد قساوسة إنجيل الرحمة، والكاتب محمد المحفوظ الذي ملأ بندقية صيده ذخيرة من زهر الإنسانية نثرا على محيا وضريح كل ابن فقدناه من هذا المرض الكئيب.
يبقى الأمل جميلا رغم غضب الأرصفة وحزن الشوارع وبكاء المصابيح، ويبقى أن التواصل العقلاني لغة وخطابا ورسما وابتسامات حنين أفضل طريق لخيار وطن كتب له أن يكون تواصليا ورحيما بلغة ترتهن السلام وغصن الزيتون.