كيف يمكن أن ينقلب إنسان عادي إلى مجرم سادي يرسل إلى عالم أنوبيس مئات الآلاف من الضحايا؟.
إنه يذكر بمقولة ستالين: موت فرد تراجيديا أما فناء شعب فهي مسألة إحصائية. هي نفس ما كان يفعله “بول بوت” في كمبوديا وهو المثقف فأرسل إلى الموت ثلاثة ملايين، أو جنكيزخان الذي قتل حفيده في معركة باميان فأمر بقتل كل حياة ولو كانت قطة ومعزة وطفل.
يخلص إلى النتيجة التي تقول إن هناك مسارا لكل نفسية طاغية حين يوحي له من حوله؛ أنه أقوى من شمشون وهرقل، وأجمل من يوسف وأفروديت في الحسن، وأعدل من قورش وعلي، وأحكم من كهنة دلفي وحكماء الهند. وأنه فلتة وطفرة في التاريخ والعقل والفهم والحكمة، وأنه قائد أبدي فوق النقد ودون الخطأ والقصور والنقص؛ هو كامل وحزبه أكمل وسلالته نصف إلهية؛ فلا يزالون ينفخونه بسم النفاق حتى يصدق ويوقن أن الحكمة الإلهية اختارته دون العالمين وهو أمر تكرر على لسان جنكيزخان قبل الموت، وهتلر قبل السقوط وآخرين من أضرابه من المساخيط.
سيناريوهات السقوط: يوجز صاحب كتاب سقوط مملكة الأسد الأمر بثلاث أفكار رئيسية؛ أن حقبة دولة المخابرات الأسدية انتهت إلى مزبلة التاريخ، وأن أيا كان من سيأتي فلن يغير في قدر التغيير إلا قليلا بما فيه نجاة الرقبة الطويلة لطبيب العيون الأعشى، بل يمضي إلى احتمال نهاية دموية للطاغية “لا يعرف المرء أبدا إذا شعر عضو ساخط من الحلقة الضيقة الداخلية بما يدفعه إلى وضع رصاصة في رأس الأسد لسبب من الأسباب، هل سيكون قاتلا منفردا أو مفجرا انتحاريا؟ ولكن الحكام المتشبثين بالسلطة يمتلكون جهازا أمنيا أتقن شحذه لمنع الانقلابات، وقد بنى آل الأسد قالبا أمنيا متشابكا ضخما يصعب جدا اختراقه”، ليصل إلى احتمال نشوب حرب طويلة مكلفة ولكن نهايتها هي إرادة الشعوب.
. يقول توينبي بعد دمار آشور مرت تجريدة يونانية من مرتزقة قورش في المكان فذهلت من البقايا ولم يخطر في بالها أن دولة المرعبة كانت تعيش هنا. العدل أرخص من الظلم. وفي القرآن حديث مطول في أكثر من 35 موضعا عن “فرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد”. وهناك قصة جدا مؤثرة عن قوم أحرقوا بالنار من أجل أفكارهم خلدها القرآن في سورة أخذت اسم البروج لتختم السورة بهذه الكلمات: “هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود؟”. هذه القصة المكررة في التاريخ تجعلنا نتذكر كلمات غاندي في إحدى حملات الصوم في مواجهة العنف وهو يكرر إيمانه العميق بالحق الذي يحكم الكون، وأن ألوانا من الطغيان تمر ثم تنجلي ليزداد الذين أمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب. وهذه القصة تتكرر في سوريا ونحن نرى فظائع براميل الموت تفجر الناس والحجارة وتدفن الأطفال وبشار الكيماوي يظن أن القوة والقتل سيدا الحلول. مذكرا بقصة برتراند راسل وحماره. فقد شبت النار يوما في زريبة تخص بيت الفيلسوف البريطاني “برتراند راسل” فهرع الخدم يخبرون أن الحمار يأبى الخروج فماذا نفعل لقد قارب الحمار أن يحترق. السيء في الحريق أن الزريبة كانت تضم حمارا عنيدا مع بقية الحيوانات المسالمين الذين هربوا من الحريقة غير مبطئين ومترددين فقد اتبعوا آليات الغريزة ولكن الحمار أبى؟ يقول الفيلسوف كان أفظع ما يمكن تصوره صعوبة سحب الحمار من نيران قاربت أن تلتهمه. كان الحمار يرفض أن يخرج، فلم يكن أمام الخدم إلا اقتياده بالقوة والحبال الغليظة من حجرة النيران إلى فضاء النجاة والحرية. هنا العناد عند الحمار مفهوم لأنه لا يعقل، ولكن ما يصعب فهمه على البشر هو عنادهم أمام نائبات الأمور فلا تتغير مواقفهم، كما في بشار الكيماوي الذي يذكر بقصة أشعب؛ فقد حاصره الأطفال يوما فأزعجوه فتفتق ذهنه عن فكرة رائعة لصرفهم فقال: يا أطفال لقد سمعت أن بالحارة الفلانية مأدبة ووليمة، وهي ترحب بالأطفال فتعطيهم السكاكر والحلوى؟ هز الأطفال رؤوسهم بالاستحسان ثم مضوا وأطلقوا سيقانهم للريح. بعد قليل جاء فوج جديد من الأطفال المشاغبين، فعل أشعب بهم ما فعل بالأولين فصرفهم. ثم التفت إلى نفسه فقال يا أشعب وما يدريك فلعلها وليمة هناك، ثم ما لبث أن تبعهم وصدق ما كذب به على الأطفال. وبشار الكيماوي فعل نفس الشيء فقد اخترع كذبة الإرهابيين وفعلا فقد جاء الإرهابيون، فهو مبلس حيران ماذا يفعل؟ قصة الحمار وقصة أشعب تروي آليات نفسية لمعالجة الأمور المستعصية التي تواجه الإنسان كي يهتدي إلى الحل؟ هناك طريقان للحل، الأول المواجهة السليمة، وفهم ما يحدث فعلا، والاعتراف به فهو سيد الفضائل، أو العناد وركب الرأس على طريقة حمار الزريبة، ثم التصرف بعيدا عن العناد والكذب والوهم. وبشار الكيماوي أقنع نفسه وأقنعه من حوله أنه منزه عن الخطأ والخطيئة، ويصلح أن يحكم الإنسانية. هكذا قال له كذاب أشر في ناديهم عفوا مجلس القرود المسمى مجلس الشعب. نفس ما كرره فرعون من قبل فقال ما علمت لكم من إله غيري. يقولون عن “بن علي” التونسي أنه كان أفضل من تصرف فهرب بأطنان الذهب مع عروسته الطرابلسية ووفر دماء التوانسة. وهناك من يقول لقد أنذره الجيش أن يغادر. النتيجة واحدة هي أن التوانسة قاموا بتجربتهم ونجحوا حتى حين.
أذكر جيدا من مجلة در شبيغل الألمانية حين استعرضت ما يحدث في العالم العربي؛ فقالت إن القذافي الليبي المهرج الدموي، والكيماوي السوري من فصيلة السنوريات، اشتقاقهم من فصيلة واحدة، وأتباعهم من قطيع متشابه متجانس، وستكون النتيجة دموية جدا، وهذا ما كان.
أذكر جيدا “تركي الدخيل” وهو يسألني في برنامجه إضاءات: أنت من ينادي بالسلام والتغيير السلمي كيف ترى مجريات الأمور؟ كان جوابي إنه مخاض عسير، ولكنني أرى أن التغيير السلمي هو الحل، لأن طريقة الحمار في مواجهة الحريق في الزريبة، ستنتهي بحريق الزريبة والحمار معا، كما جاء في قصة حمار الفيلسوف برتراند راسل، وهذا ما سينتهي إليه مصير بشار الكيماوي، “فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين”.