العدد 2033
الجمعة 09 مايو 2014
فهم تشريح العقل الإنساني وكيف يتصرف الإنسان “2” خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 09 مايو 2014

يعتبر الدماغ الإنساني مركز التعقيد الفعلي لأنه المكان التشريحي والفيزيولوجي الذي تجري فيه العمليات العصبية بدءًا من التصورات وتحليل المعلومات واستيعابها وتخزينها بالذاكرة وانتهاءً بالنطق والاتصال. وبعد الوصول إلى فك كامل الشيفرة الوراثية اصطدم العلماء بحقيقة أن أكثر “الجينات” تعمل لمصلحة الدماغ وعلى نحو تبادلي برقم فلكي مرعب. ونحن نعرف اليوم أن خلق الإنسان يتم من خلال حوالي 140 ألف أمر “جيني”. ولكن الرقم التبادلي هو الذي يصيبنا بالدوار. فمثلاً عرف أن “الجينات” أي الأوامر الوراثية المسؤولة عن تنظيم “الضغط الدموي” ليست “جيناً Gen” واحداً مفرداً بل حوالي 200 جين في ضفيرة متبادلة التأثير.
وحتى نقترب من التعقيد المخيف في أدغال غابة المخ علينا ملاحظة لوحة الفيديو الداخلي، فإذا كانت لوحة الفيديو تحتوي مئة نقطة فالدماغ فيه لا يقل عن مئة مليار خلية “عصبية”. ومعنى هذا أن عمل الجسم يقوم على شبكات “لا نهائية” إذا أخذنا في عين الاعتبار أن كل نورون عصبي هو كوكب دري في سماء الدماغ، وهي ليست مجرات تتباعد عن بعضها كما في النظام الفلكي، بل خلايا عصبية تتصل بين بعضها البعض بمحاور على نحو مذهل. وكل خلية عصبية عندها ما لا يقل عن ألف ارتباط وبعض خلايا المخيخ مثل خلايا بوركنج عندها 200 ألف ارتباط. وحتى الآن نحن على السطح التشريحي ولم ندخل الدغل المخي تماماً، ومما كشف عنه أن الوعي هو شيء قشري سطحي مقابل اللاوعي أو العقل الباطن الذي يتحكم فينا بآليات غير مفهومة ولا تخضع للمنطق. ومما عرف أن الوعي واللاوعي أو العقل الباطن لا يشتغلان سوية وهما يشبهان المتغيران في معادلة رياضية واحدة وهي عند الرياضيين معادلة غير قابلة للحل. وهذا يعني أن الإنسان يشكل معادلة غير قابلة للحل عملياً.
وتذهب مدرسة “أريكسون ملتون” في محاولة لاكتشاف علاقة اللغة بالعقل الباطن. فاللغة العليا تكلم الوعي المباشر أما “اللغة الرمزية” فإنها تتسلل إلى العقل الباطن فتكون أبلغ في التأثير. ومنه نفهم معنى ما قاله علماء البلاغة أن المجاز أفضل من الحقيقة أحياناً، وأن الكناية أبلغ في الإفصاح، وأن الاستعارة أقرب من التصريح. وهدف “قصص ألف ليلة وليلة” كانت محاولة لمداواة مريض نفسي محطم مغرم بالقتل هو الملك شهريار من خلال القصة التي تنفذ إلى اللاوعي “مباشرة” فتعالجه على نحو “غير مباشر”.
والهندسة النفسية تحاول فك هذا اللغز الإنساني لفهم جدليته المحيرة. وقديما حاول الإمام الغزالي فهم مراتب الوجود فقال إن الحقيقة تمر من خلال مستويات تضعف فيها المرة بعد المرة كما يمر الضوء عبر أوساط شفافة مختلفة فيتعرض للانكسار في كل وسط يتخلله. فبين الحقيقة الخارجية وكتابتها مراحل من “المفلترة المشوشة” قبل أن تصل إلى مرحلة النطق اللغوي وتختم باللغة المكتوبة في النهاية.  ومن هنا فإن طبيعة الاتصالات بين “الكتابة” أو “النطق” أو “المقابلة الشخصية” تدخل الخلل إلى صحة المعلومات على نحو مأساوي. بسبب أن “الكلمة” ناشفة بريئة ولكن “النطق” يحمل “لحن القول”. والرؤية تحمل قسمات الوجه وما تخفي السريرة “ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول”. فهنا تدخل على الخط لغة جديدة هي “اللغة السيميائية”.
وقام فريق بحساب مقدار وصول المعلومة أي “المردود الاقتصادي” الفعلي للحقيقة المشوهة من خلال الكلمة “المكتوبة” أو “النطق” أو “المقابلة المباشرة” فكان على الترتيب 7 % ثم 38 % ثم 55 % ويعني هذا أن المعلومة مع كل المحاولات لا تنفرغ عصبيا بشكل كامل، وربما سيحدث هذا للمستقبل إن استطعنا أن نفعل هذا كهربيا بتفريغ كامل شحنة الأفكار والتصورات من دماغ إلى دماغ أو من الكمبيوتر إلى الدماغ وبالعكس. مع ملاحظة أن ما يستقبله الدماغ هو قسم ضئيل من الحقيقة لأنه يتغذى بالحواس الثلاث الأساسية ويرمز لها VAK من أصل ست حواس وهي مختصر للرؤية والسمع والحركة “Visual Auditory Kenthetic”. وهي محدودة بشق بسيط من كون حافل بالموجات.
والخلاصة التي نصل إليها: إن كل من يدعي فك أسرار الإنسان نهائيا هو إما مغفل أو مدع. وأن الإنسان يشبه المحيط يتم اكتشاف بعض الجزر فيه من حين لآخر تنفع في الرسو ومتابعة اكتشاف هذا المحيط الذي لا يكف عن الاتساع. وثالثا من يدعي فهم كامل الإنسان من اجل السيطرة على تصرفاته واهم. حيث تتكسر كل نظرية عند عتبة قدمي الإنسان. وهذا بكلمة أخرى يعني أن الإنسان مجهول ومعلوم بنفس الوقت في زاوية تزداد اتساعا ومع كل جواب تقفز من جديد مجموعة أسئلة.
والمهم هناك من يدعي هندسة نفسية يمكن بواسطتها التحكم في الإنسان؟ ونحن نعرف من تاريخ العلم أن علم نفس “الفرينولوجيا” تحمس له العلماء كثيرا ولم يكن يتطلب أكثر من تمرير اليد على الجمجمة وتعرجاتها للحكم على ملكات الإنسان وطبيعة كيميائه ومزاجه. ثم ظهر أنها لا تزيد عن دجل.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .