العدد 2005
الجمعة 11 أبريل 2014
لماذا يقتتل أتباع الأنبياء؟ خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 11 أبريل 2014

 في البداية كان الناس يقتتلون على الطعام والمال والأرض والنساء. والقرآن يذكر أول حادثة قتل في تاريخ البشرية؛ لأنه لم يُتَقَبل منه قربانه. فالسبب هو الإحباط والنقمة لما نزل به من فضيحة دينية حيث كشف عدم صدقه في التقرب إلى الله. وأن شعاراته الدينية كانت هزيلة وزائفة. وكثير من الدول المستكبرة الآن على مذهب قابيل ترفع الشعارات الطيبة وأحياناً الدينية وتقتل من يحاول كشف زيفها.
ثم جاء بنو إسرائيل وأقاموا دولتهم الدينية على الجماجم والدماء وصوروا إلههم أنه الجبار الدموي. وجاء عيسى فتبرأ من كل هذه المجازر ونادى بالحب والتزم أتباعه في البداية بالحب والرحمة وبشروا أن مملكة الرب في السماء. ولم يهتموا بإقامة حكومة دينية على الأرض.
 إلى أن جاء قسطنطين وعقد مجمع نيقية لعلماء النصارى. ثم أصبحت النصرانية التي حددها المجمع هي دين الدولة وكل ما عداه خارج على الدولة ويجب تصفيته.
وجاء الإسلام وأنشأ دولته في المدينة، وكانت دولة راشدية هي الحكومة الدينية الأولى التي لم تقتل الناس من أجل دينهم وأفكارهم. ومع ذلك فقد قتل اثنان من الراشدين أي نصفهم بسبب الاختلاف على: كيف تكون الحكومة الدينية؟
ثم انفجرت الحروب الصليبية لتعرض علينا مقدار شناعة الحروب الدينية. وأن أتباع الأنبياء كانوا يظنون باستمرار أن الله يأمرهم أن يقاتلوا الآخرين ويفنوهم من الأرض.
فهل أمر الله فعلاً بتصفية الكافرين؟ لماذا قال لنا إذن “لا إكراه في الدين”؟
لابد من دراسة آيات القتال في القرآن دراسة تاريخية ضمن ظروفها وملابساتها، ولكن العالم الإسلامي يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض؛ لأنه عجز عن هذه الرؤية التاريخية. فهو يلغي “لا إكراه في الدين” و”ادخلوا في السلم كافة” و”كفوا أيديكم” “ و”فاعفوا واصفحوا” و”ادفع بالتي هي أحسن” و”لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم”.
والقرآن يقول “إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون” ويقول “وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه” ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم “وأن احكم بينهم بما أنزل الله”.
هل يعني ذلك إقامة حكومة يهودية لليهود ونصرانية للنصارى ومسلمة للمسلمين؟ وكيف يمكن أن يحدث هذا في بلد واحد يضم مواطنين من الأديان الثلاثة؟
إن تاريخ أوربا منذ الحروب الصليبية حتى الآن يعرض باستمرار الحروب الدينية بين المذاهب المختلفة وحتى في الدين الواحد. وانظر إلى ما يجري حتى الآن بين بريطانيا وايرلندا. فكل طرف يريد أن يجعل الحكم لمذهبه وكل حزب بما لديهم فرحون. والآخر هو الشيطان.
من الواضح أن المآسي علمت الشعوب الأوروبية أن تعيد النظر وتفكر في مصالحها وما ينفع الناس بعيدا عن المذاهب والنعرات الدينية. وتركت لكل إنسان حريته في الإيمان بما يشاء من الأديان.
ولكن المتحمسين من المسلمين يقولون: لكن الحكومة الإسلامية مختلفة عن ذلك، إنها ترفع الظلم عن الناس وتمنحهم الأمن والعدل؟ والسؤال: من هي الحكومة الإسلامية؟ أهي السلفية أم المذهبية؟ أهي السنية أم الشيعية؟ أهي التي ظهرت في بنغلادش أم أفغانستان وإيران؟
أما من سبيل لإيقاف هذه المآسي والمجازر التي ترتكب باسم الدين وطلبا لرضا الله؟ وكل ما يجري في العالم الإسلامي يقول كل حزب بما لديهم فرحون. ولكن الله غير حزبي ولا يتحزب.
وبالمقابل فإن الحكومة المدنية تسمح بالمعارضة وبوجود أحزاب متعددة. أما الحكومة الدينية فإنها تعتبر المعارضة والاختلاف معها خروجا من الدين وكأن الذي يعترض عليها يعترض على الله؛ لأنها تعتبر نفسها تمثل حكم الله.
سيقولون الله أمرنا بأن نحكَّم شرع الله؟ حسناً ولكن ما هو “ما أنزل الله”؟
إنه “لا إكراه في الدين”، فهذا الآيات وأمثالها تمثل مبادئ قرآنية يسميها علماء الشريعة مقاصد الشريعة. وهي مبادئ لا يرفضها أحد من الناس مهما كان كافرا. فلماذا لا يدعى الناس على اختلاف أديانهم إلى حكومة تتبنى هذه المبادئ ويتولى شؤونها مخلصون متخصصون في السياسة والاقتصاد والاجتماع والصحة النفسية والجسمية. وتكون الحكومة مسؤولة ومحاسبة أمام شعبها عن صلاحيتها وأحكامها. ويترك كل إنسان ليختار من الأديان ما يشاء مع ضمان حرية الرأي وحرية الدعوة للأديان.
إن الحكم بهذه المبادئ سيكون حكما بالإسلام وبكل الأديان السماوية.
إن دارس قصة الحضارة يتأمل في المذاهب والأديان التي تتالت على البشرية فيجد أنها اتفقت على أساس كبير واحد أن “تحب لأخيك ما تحب لنفسك؟”، والإسلام قال: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. أي أنه لا يكون أحد فوق القانون.
إن أجمل تعريف للشريعة وضعه ابن قيم الجوزية حينما اعتبر أنه “فحيث العدل فثم شرع الله”، وعندما نرى محاسبة توني بلير من مجلس العموم البريطاني في صيف 2003م على التورط في حرب العراق بمعلومات كاذبة في الوقت الذي يستعطف مواطنون عرب حكوماتهم أن يمنحوا أولادهم من الجيل الثالث جوازات سفر، يصبح السؤال الجدي، أين شرع الله؟ إنه سؤال مزعج ولكن لابد منه!

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .