حسب فرانسيس بيكون ولحقه في هذا علي شريعتي الايراني أننا نولد الى هذه الحياة بمجموعة من الاكراهات . نحن نولد مسجونين بحكم مؤبد في قفص البايولوجيا ، مربوطين الى سلاسل النسبية للبعد الرابع ( الزمن ) ، أسرى في أغلال الثقافة واكراهات المجتمع . نحن خلقناهم وشددنا أسرهم . ندخل أجسادنا فنتسربل فيها محكومين بالجينات تشكل قدرنا من صحة ومرض وجمال وتشوه . ( الجينات ) الشيفرة السرية للخلق تعطينا لون العينين وطول القامة وقسمات الوجه ولحن الصوت ، كما تحدد طول العمر من خلال ساعة مبرمجة على رنين منبه الموت مع كل انقسام كرموسومي . الجينات في الخلايا تحدد العمر والاستعداد لمرض السكر والميل للتسرطن وخلل فقر الدم المنجلي . نحن سجناء عالم بيولوجي بقفل أثقل من نجم نتروني في قدر لا فكاك منه . علينا أن نتنفس والا اختنقنا ، أن نأكل ونشرب والا هلكنا . وأن نمارس الجنس والا انقرضنا . يطحننا المرض وتفترسنا الشيخوخة ، علينا أن نمشي على الأرض بقانون الجاذبية فلا نستطيع الانتقال بسرعة الضوء في استحالة يفرضها قانون النسبية باستهلاك طاقة لانهائية وتوقف كامل في مربع الزمن . نحن نرزح تحت ثقل قوانين الفيزياء تحكم بقبضتها على رقابنا في أغلال الى الأذقان فهم مقمحون . نحن نأتي الى الحياة بدون ارادتنا ، ونخرج منها بدون ارادة ورغبة بعد أن ذقنا حلاوتها ، في نقطة ضعف تسلل منها الجبارون لمسك رقاب العباد .
نحن نولد في ( عصر ) نعيش ثقافته لا نتحكم في وقت المجيء اليه في ثانية واحدة منه تقديماً وتأخيراً ، تدفعنا يد جبارة الى مسرح الأحداث فنشارك على خشبة مسرح ، ثم ينتهي دورنا فنمضي وندلف الى مستودعات النسيان فلا تسمع لهم ركزا .
اعتبر الفيلسوف الفرنسي ( باسكال ) أن الانسان يسبح في اللحظة الواحدة بين العدم واللانهاية ، فهو كل شيء إذا قيس بالعدم ، وهو لاشيء اذا قيس باللانهاية ، وهو بعيد كل البعد عن إدراك الطرفين ؛ فنهاية الأشياء وأصلها يلفهما سر لاسبيل الى استكناهه ، وهو عاجز عن رؤية العدم الذي خرج منه واللانهائي الذي يغمره .
نحن أسرى ( ثقافة ) ننتسب الى حوض معرفي يبرمج عقليتنا ، ويمنحنا الدين الذي نمارس طقوسه ، ويشكل شجرة المعرفة عندنا محروسة بلهيب نار وسيف يتقلب . نحن نستحم فنخلع كل ملابسنا ، ولكننا في الشارع نلبس كل الملابس . تحت مفهوم اجتماعي هو ستر العورة . المجتمع يمنحنا الدين فنعتنقه . من يولد في بافاريا في جنوب ألمانيا قد يخرج كاثوليكاً ، ومن يولد في طوكيو قد يكون من جماعة سوجو جاكا البوذية ، ومن يولد في جنوب العراق قد يكون شيعيا . كذلك كان الانتساب الى منطقة ما قدراً ندفع فيه الثمن من مصائرنا ؛ فمن يولد في راوندا يهرس كموزة في حقل ، أو يمشي بساق خشبية وذراع معدنية في افغانستان ، ومن كان ألبانياً في كوسوفو يخسر كل شيء ليقرر مصيره أساطين السياسة في لوكسمبرغ ، أو يعتلي صهوة سيارة جيمس في الخليج ترجع رفاهيته الى صدفة جيولوجية أكثر من عرق الجبين ، ومن يحالفه سوء الحظ فيولد في بعض مناطق العالم العربي قد يكون رهين الاعتقال ، لا يرى خروجاً من ظلماتٍ بعضها فوق بعض ، في حالة استعصاء ثقافية بدون أمل في الخروج من النفق المسدود ، لا يستطيع فتح فمه الا عند طبيب الاسنان ، أو هارباً خارج وطنه بجواز سفر من الدومينيكان أو الارجنتين ، أو لاجيء سياسي في السويد والمانيا ، أو مهاجر كندي إذا أسعفه الحظ والمال ، أو قد يكون من السعداء النجباء من شريحة الـ 5% له كل المال وكل الامتيازات ، يساق له رزقه رغداً بالعشي والابكار ، في بلد هي مزرعة له ولعائلته .
مع هذا فإن هامش الحركة في ( المكان ) و ( الفكر ) و ( اللغة ) أفضل من البايولوجيا فقد يفر عراقي الى بريطانيا مبدلاً وطنه ، وقد يعتننق فنان بريطاني الاسلام مغيراً عقيدته ، كما قد يتعلم طبيب أردني يختص في الغرب اللغة الألمانية ، ويرتفع الانسان بالعلم بدون حدود فيتخلص من الطبقة والفقر .
نحن نظن أننا أحرار في المجتمع وهذا أكبر من هلوسة ؛ فنحن في الواقع مكبلين بأشد من أصفاد اليدين والرجلين ؛ فالوسط ينحت لغة الطفل في تلافيف الدماغ ، وآباؤنا يحددون لنا القدر البيولوجي لأجسادنا ومعها المجال مفتوحاً لكل الاحتمالات والاستعدادات ، والمجتمع يهبنا المعادلة الاجتماعية بعد البيولوجية فيجعل من الفرد بشراً سوياً ، كما يفرض علينا السلوك السوي ، ويعاقبنا إذا خرجنا عن القانون بأشد من معاملة الدجاج وهي تبصر الدم في دجاجةٍ مجروحةٍ فتنقرها حتى الموت ، وعندما يشذ الفرد عن القطيع يعامل بالسخرية والاذى والاتهام بالجنون والنفي على ثلاث أشكال : من ظهر الأرض الى قبر السجن ، ومن دفء الجماعة الى برد العزلة ، أومن شاطىء الحياة الى سفينة الأموات مع أنوبيس في العالم السفلي . هامش الحرية كما نرى كالصراط يوم القيامة أرفع من الشعرة وأحدّ من السيف ونحن نعيش إكراهات متتالية من المهد حتى اللحد ، في قبضة الجينات وزنزانة الزمن وقفص الثقافة ومعتقل المجتمع .
مع هذا فلا يتقدم المجتمع الا بهامش الحرية الضئيل هذا من خيال الأفراد المبدعين ، يتجاوزون بخيال مجنح إشكاليات القضبان والمعتقلات ، فيتنسم في حديقة الدماغ رؤى المستقبل في إمكانيات جديدة واختراعات مبتكرة ونشأة محدثة في تطور سفر الانسان . وعند هذه الزاوية الضيقة تتشكل جدلية الحركة بين ثبات المجتمع كعلاقات تشريحية وحركته كفيزيولوجيا وتطور . العقارب تعيش على ظهر البسيطة بدون تغير يذكر في نمط حياتها منذ 400 مليون سنة . ولكن الحيوانات محكومة بنسيج فولاذي آسر للتصرفات تعيد دروة إنتاج نفسها بدون أي تقدم ، مثل القطار المحكوم بالمشي على القضبان لا يخرج منها الى لمواجهة حادث مروع . العجل يمشي بعد الولادة بساعات والارانب تنضج في شهر فتسعى ، ويبقى الانسان الكائن الوحيد الأضعف طراً في مملكة الحيوان ، ولكن الفرد يمتص خلال سنوات قليلة خبرة كل الجنس البشري المتراكمة في ثلاثة ملايين من السنين ؛ فينطق ويحمل الكراهيات وأخطاء الثقافة من خلال ثلاث لغات متتالية ( سيميائية ) من تكشيرة الوجوه وحركات اليدين و( صوتية ) بالصراخ أو الاستحسان وثالثة بـ ( الكتابة ) وهي القشرة السطحية لنقل النظام المعرفي ، وتبقى الطبقات الكتيمة العفوية من التشكل الاركيولوجي الثقافي خلف الكثير من سلوكنا اليومي . نحن والحيوانات نعيش على ظهر الأرض منذ ملايين السنين ولكن الانسان وضع قدمه على القمر ونزلت مراكبه على سطح المريخ ويرسو اليوم على ظهر الكروموسومات ؛ فيكتشف أسرار الشيفرة السرية للوراثة وتصرفاته الحافلة بالأسرار ، ويعرف أن 95% من حركة الانسان يقودها ( لاوعي ) أعمى . ثقب العين صغير ومنه يرى الانسان العالم ، ومن هذا الثقب لايرى الا الضوء العادي في شق ضيق من عالم فسيح من طيف الموجات ، ما يرى منه عشر معشار مالا يرى ، لم يكن غريباُ أن أقسم القرآن على ما تبصرون ومالا تبصرون . مع كل هذه المحدودية للرؤية فإنه يفهم قوانين الكون ويطور ببصيرته بصره فيرى توهجاً لامعاً للنجوم من عمق محيط الكون على مسافة تسعة مليارات سنة ضوئية .
الانسان كمبيوتر مختزل لكل الوجود في داخله ، يحمل إمكانيات تطور بدون توقف ، فيه شريحة كمبيوترية من روح الله ، مزود بوثيقة وكالة عامة من الخالق لاستخلاف الكون . كان الفيلسوف إقبال يناجي ربه حزيناً : يا رب هذا الكون لا يعجبني فيأتيه الجواب : اهدمه وابن أفضل منه .