العدد 1984
الجمعة 21 مارس 2014
المحرقة الشامية(1) خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 21 مارس 2014

قال لي صديقي المغربي كيف ترى في صعود القوى الإسلامية للحكم، كان الغرب يعلم أن حركة الديمقراطية والانتخابات ستقود إلى تسلط الإسلاميين على الحكم، كيف ترى المسألة؟ ثم لماذا لا يتدخل الغرب لحل الصراع في سوريا؟
قلت له هذا ما عالجته في كتابي النقد الذاتي منذ أمد بعيد. الحركات الإسلامية يمكن أن تمشي سويا على صراط مستقيم إذا كونت داخلها جهاز النقد الذاتي؛ لأنه يصحح سيرها ويطورها. ولا أظن أن مثل هذا الجهاز (الموتور والدينمو والبطارية) موجودة، لذا لا مستقبل لها ما لم توفر هذه الآلية داخلها. نموذج إخوان مصر شاهد كبير على ذلك.
وهذا المنحى الخطير أننا قد ندخل مرحلة ظلامية في القرن المقبل فيما لو سيطر الإسلاميون على الحكم، فما هي الضمانة أن لا نعيد خيبة القوميين على يد الربانيين؟ خصوصا أن أسلحة الإسلاميين أنهم حزب الله وإخوان الله. فمن منا له طاقة بمواجهة الله شخصيا؟
أما جوابي على سؤالك الثاني فلبرما اشتركت ضفيرة من العناصر في لجم التدخل في سوريا لإنهاء الصراع الدموي هي التالية:
أولها إسرائيل: ترجمة هذه الفكرة تقول إن سوريا مدمرة إلى أقصى حد ممكن يعطي دولة بني صهيون النفس لمدة نصف قرن مقبل من السلام المرجح العليل، بينما سوريا تلعق جراحها وترمم خرابها. حرب الثلاثين عاما في الأرض الألمانية احتاجت ثمانين عاما من الإصلاح.
حين كتبت عن الثورة السورية والعوائق العشرة أشرت إلى هذه النقطة بعد الطائفية. ما حصل فاق أفظع الكوابيس.  النتيجة إذن المزيد من الخراب والقتل.
العنصر الثاني: هو الانقسام الأهلي وتمزق النسيج الاجتماعي الرهيب (الشرخ الطائفي). نحن هنا أمام شرخ رهيب بين السنة والشيعة (يدخل فيهم العلويون) مما يضعف المنطقة ليس قرنا بل قرونا أخرى.
لقد أخطأت إيران جدا في موقفها من النظام السوري، وهي تعرف النظام السوري تماما أنه مجرم وعلماني.
لماذا إذن وقفت إيران هذا الموقف؟ حسنا أن تعيش الشعوب على الخرافات والأسطورة تغذيها أفكار عاطفية انفعالية. فليكن إذن ومن هذا الباب المزيد من التمكين للديناصور الديني (المؤسسة الدينية).
ندخل هنا من جديد على فكرة المقدس ورفع البشر إلى مقام الألوهية مثل أن المسيح يوجد كل خلية على الأرض طالما كان جزءا من الرب. معصومية البابا ومعها آيات الله العظمى. حين نقول حزب ونضيفها إلى الله نحن عمليا نحتكر الله، فهناك من يمثله شخصيا. هنا آيات الله شكلهم بشري ولكن لسانهم إلهي. العنصر الثالث: هناك صراع رهيب انشطاري تسلسلي مثل القنبلة الذرية يستقطب العناصر الإرهابية المتطرفة من كل العالم: جهاديون سلفيون شيعة نصرة عصائب الحق قوميون داعش الخ.. حسنا إنها محرقة ممتازة تحرق فيها هذه القوى الخطيرة بعضها بعضا.
في القرآن آية معبرة يخربون بيوتهم بأيدهم!
هنا يرتاح الغرب وأميركا ويضعون أقدامهم في ماء بارد، ويرتاح معهم كل من يخاف شر هذه العناصر الانتحارية الخطيرة، التي ترى أن طريق الجنة هو أن ينسف أحدهم نفسه بديناميت فيأخذ معه إلى الآخرة رهطا من الناس.
إنه أمر حسن أليس كذلك؟ أن تُنحر وتنتحر هذه العناصر في هذه المحرقة الشامية.
المثل اليهودي يقول إذا رضي الله عن العبد الصالح كلف غيره بأداء المهمة التي وجب عليه أن يؤديها.
في الأساطير أن الثعلب إذا أراد الخلاص من البراغيث في جلده عمد إلى قطعة جلد جافة فحملها بفمه ثم دخل الماء بالتدريج فتهرب البراغيث إلى حيث لا ماء هنا يتخلص منها دفعة واحدة.
تنفع هذه الأمثلة في الخلاص من الجهاديين المزعومين الذين يقاتلون بحماس فارغ من الوعي.
الخوارج قديما كانوا من هذا الطراز الذي لا ينقصه حماس بقدر الوعي. وليس أخطر من عاطفة دون فكر، وطاقة دون توجيه، وحماس مشبوب دون فقه ضابط.
هكذا أراحت هذه العناصر كل من يريد التخلص منها. إذن لنشعل الأرض، ولنلقِ المزيد من المحروقات، حتى تزداد النار ضراما ويقتل أكبر عدد ممكن من هذه العناصر فيتخلص العالم منها في هذه المحرقة الرائعة. المحرقة الشامية.
العنصر الرابع: الأسلحة.. هذه المنطقة تغلي ويجب أن تغلي ويجب أن تشتري السلاح دوما حتى ينفد البترول منها. يجب أن تبقى في حالة غليان حتى لا يكتب لها قياما ونهضة. الحرب كمؤسسة ماتت ولكن الغرب يبيعنا عتادا ميتا كما فعل الإسبان مع الخيل الميتة في الهجوم على حضارة الإزتيك الذين كانوا يظنون جهلا أنها لا تموت فكان الإسبان يدفنونها سرا. وهنا يتدخل عنصران في اللعبة بين جهلنا وخبثهم غفلتنا وشطارتهم. جرت القاعدة أن من يغفل عن سنن الله فإن سنن الله لا تغفل عنه ولا تنام.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية