لاشك أن الصناعة المصرفية هي من أهم الخدمات التي تقدم للاقتصاد سواء الاقتصاد الفردي أو الانتاجي أو حتى اقتصاد الدول عبر الاقتراض الحكومي من القطاع المصرفي، واختراع البنوك يعود الى قرون من الزمان مضت وتطورت تدريجيا حتى صارت لها اشكال مختلفة ومناهج مختلفة عن بعضها فهناك المصارف التقليدية وهناك المصارف الاسلامية اللاربوية وكذلك تشعبت اعمالها بين قروض شخصية أو عقارية أو قروض انتاجية وصناعية وأسهم وسندات وغيرها.
ويعتبر تطور القطاع المصرفي في أي بلد شاخصا لنمو ونهضة اقتصاده ومحفزا لنمو المشاريع بسبب وجود التمويل الكافي لها وذلك لأن التمويل الصحيح يعتبر من اهم مستلزمات انجاح اي مشروع تجاري او صناعي في اي مكان في العالم.
ولكن مع الأسف لم يكن دور القطاع المصرفي ايجابيا على الدوام فقد افرزت الازمة المالية العالمية في عام 2008 سلبيات التصرفات الخاطئة والجشعة لبعض كبريات المصارف العالمية التي ادت الى انهيارها وانهيار الاقتصاد الاميركي وبتبعه الاقتصاد العالمي مخلفا تريليونات من الخسائر المالية الجسيمة وركودا اقتصاديا عالميا هائلا صاحبه فقدان ملايين الوظائف حول العالم وركودا عقاريا في كل انحاء المعمورة تقريبا.
ووفرت مملكة البحرين المناخ المناسب لاجتذاب البنوك اليها لتصبح عاصمة الصناعة المصرفية في المنطقة ونجحت هذه السياسة في اجتذاب العديد من المصارف العالمية والاقليمية لتجعل من البحرين مركزا لها ولأنشطتها محليا وإقليميا على مستوى المنطقة وهو امر ايجابي يحسب لمهندسي الاقتصاد البحريني بكل فخر واعتزاز.
ولا شك ان الصناعة المصرفية في مملكة البحرين تلعب دورا كبيرا في اقتصادها الوطني خصوصا ان القطاع المصرفي هو من اكثر القطاعات جذبا للكفاءات البحرينية وتوظيفا لها، كما ان ما تقدمه من قروض اسكانية وتمويل للسيارات وغير ذلك يساعد في التخفيف من اعباء الحياة على المواطن والمقيم ويسهم في تنشيط القطاعات الاقتصادية المختلفة.
ولكن الصورة ليست وردية تماما عندما يتعلق الأمر بمصارف البحرين المحلية والعالمية فعلى الرغم من التسهيلات الكبيرة التي تقدمها المملكة لهذا القطاع وإعفائه تماما من الضرائب وتحقيق البنوك ارباحا كبيرة جدا تعلن عنها بنفسها في وسائل الاعلام الا ان دورها المجتمعي صغير جدا مقارنة بما تحصل عليه منه فالاسهامات والتبرعات التي تقدمها هذه البنوك ضئيلة ولا تشكل الا نسبة مئوية صغيرة مقارنة بالارباح التي تحققها.
ان من حق المجتمع على المؤسسات الربحية ذات المدخول العالي مثل البنوك ان تقوم الأخيرة بالتزام مشاريع مجتمعية وخدمية كبيرة تخفف الاعباء عن الدولة وعن المواطنين سواء في الصحة او التعليم او الرعاية الاجتماعية وغير ذلك بشكل يوازي ويتناسب مع ارباحها السنوية الكبيرة وليس مجرد تبرعات دعائية لا تتجاوز قيمتها راتبا شهريا لمدير واحد من مدرائها.
ان عدم اسهام البنوك في التخفيف عن اعباء المجتمع يحولها من مؤسسات خدمية ايجابية الى مجرد شفاطة لنقود المواطنين دون اي تقدم لهم بالمقابل وهذا دور لا يجب ان ترتضيه الصناعة المصرفية البحرينية على نفسها وعلى البلد الذي دعمها بكل قوة وبكل مقومات النجاح والاستمرار وتحقيق الارباح.
كما ان القطاع المصرفي البحريني وللأسف يميل بشكل متطرف الى تمويل الأشخاص بدلا من تمويل المشاريع الانتاجية وذلك لسهولة تحصيل هذه القروض وانعدام المخاطرة فيها تقريبا فاليوم بإمكان شخص ما ان يحصل على قرض لشراء سيارة فاخرة تبلغ قيمتها 50 الف دينار اسهل بكثير من حصوله على نصف هذا المبلغ كقرض لشراء ماكينة انتاجية لورشته مثلا.
ان هذا الأمر يدفع البنوك الى ترويج القروض الاستهلاكية البحتة بين المواطنين والمقيمين خصوصا قروض السيارات التي اصبحنا نراها يمينا وشمالا بنفس الطريقة التي كنا نرى قروض شراء العقارات قبل الازمة العالمية وبشكل مغر وكذلك القروض الشخصية وبطاقات الائتمان وكلها تصب في مسير واحد هو تشجيع المجتمع على الاستهلاك دون روية ولا أسف في احيان كثيرة في اشياء لا يحتاجها وصولا الى الحالة التي نسميها ادمان القروض فنجد الشخص يحصل على قرض لسيارته وقرض لسيارة زوجته وقرض لقضاء الاجازة الصيفية وقرض للتلفاز ذي الشاشة الكبيرة بالاضافة الى سداد فواتير بطاقات الائتمان حتى يصل الى مرحلة لا يتبقى له شيء من مدخوله فيحصل على قروض جديدة كي يسدد القروض القديمة وهكذا دواليك.
لا ننكر ان المصارف هي صناعة ربحية ومن حقها ان تروج لمنتجاتها املا في زيادة عدد زبائنها وبالتالي زيادة ارباحها ولكنها ايضا ملزمة اخلاقيا بأن تراعي ظروف المجتمع ولا تسوق اقتصاده نحو الادمان المطلق على القروض خصوصا تلك التي ليست لضروريات الحياة بل لكمالياتها.
كما أن وزارة المالية والمصرف المركزي مطالبان برقابة أكبر على انشطة المصارف والقروض والعروض التي تقدمها وإلزامها بتقديم دعم اكبر للقطاعين الصناعي والانتاجي وعدم الاكتفاء بالتمويل الشخصي السهل والمربح.
أما المواطن فهو مطالب بأن يكون اكثر وعيا في التعامل مع البنوك ودراسة اي عرض بشكل كامل منعا لسقوطه في فخ بعض المصطلحات التي لا يفهمها الا ذوو الاختصاص وعدم الاقدام على اخذ اي قرض قبل الحصول على معلومات كاملة ووافية عن اصل القرض والرسوم الادارية والفوائد والمدة وكذلك عدم استسهال الاقتراض الا لما هو ضروري للغاية وليس لاشياء يمكن الاستغناء عنها او تأجيلها، لأن القرض ليس هبة ولكنه يسترد منه مضاعفا عدة مرات احيانا مستنفذا كل موارده خصوصا اذا كان القرض استهلاكيا مثل السفر مثلا فتذهب لذة السفرة وتبقى الحسرة والاقساط الطويلة بفوائدها.