يبدو أنّ الوطن العربيّ دخل مرحلة الغيبوبة أو التي تعرف بحالة الكوما. وإلاّ ماذا يعني رحيل كوكبة من عمالقة الفكر والفنّ والأدب دون ان يشعر لرحيلهم أحد؟ هذه الحالة لا تفسير لها سوى أنّنا نعيش حالة البلادة واللامبالاة بأبشع صورها. هذا العام الذي يشارف على لفظ أنفاسه شهد رحيل ثلة من العمالقة في كل مجالات الابداع نتذكر من بينهم فقط الشاعر اللبناني الكبير سعيد عقل والشاعر الفلسطيني سميح القاسم وسيدة الشاشة العربية الفنانة الكبيرة فاتن حمامة وآخرون ممن تركوا بصماتهم في الفن والفكر والأدب عامة. وفي العام الفائت شهد رحيل المفكر نصر حامد أبو زيد والمفكر محمد اركون والشاعر السوري الساخر محمد الماغوط وهم من ابرز المبدعين على الساحة العربية. انّ رحيل عمالقة بهذا الحجم والمكانة الشامخة يعادل رحيل عصور من الابداع الجميل الذي يصعب تكراره. المفارقة التي تستعصي على الحل انّ غيابهم اتسم بالهدوء أو على أحسن الأحوال كانت الاشارة لرحيلهم بأخبار مقتضبة بثتها وكالات الانباء لم تكن تتعدى بضعة اسطر في الجرائد العربية اليومية!
أمّا الحال فهو مختلف تماما في الدول الغربيّة. ونتذّكر في هذا الصدد رحيل المخرج الايطالي ذائع الصيت فيليني. فقد حظي بعد رحيله كما كان ابّان حياته بتكريم يليق بعطائه وإبداعاته المميزة. وفور سماع الشعب الايطالي خبر وفاته فقد اجتاحتهم موجة من الحزن ونكسوا الاعلام وأوقف سائقو سيارات التاكسي سياراتهم وكذلك فعل الموظفون ورواد المقاهي وربات المنازل والمارة في الشوارع. وإيطاليا وقفت ساعة في الطرقات حدادا على رحيل واحد من عمالقتها السينمائيين الكبار.
انّ المفارقة هي اننا نشهد النقيض في طول البلدان العربية. فكبار الكتاب وأصحاب الفكر يواجهون بالتكفير واتهامات بازدراء الاديان وغيرها من التهم. وليس جديدا القول إنّ عواقبها وخيمة فكريا واجتماعياً. والظاهرة لا يراد لها أن تنتهي بالرغم مما بلغته أوطاننا من تقدم على كل الأصعدة بالرغم مما يطلق من دعوات لوقفها. وأتذكر انّ مؤتمرا دوليا عقد في احدى البلدان العربية تحت عنوان التكفير الأسباب الآثار والعلاج “كانت نتائجه انّ التكفير لا يثبت الاّ بالشرع ولا دخل فيه للاجتهاد الاّ بقياس مكتمل الشروط وبدليل قطعيّ من العلماء”.
وحدهم الرياضيون والمطربون من يحظون بالتكريم والهدايا في عالمنا العربيّ. ولعلّ ما ذكرته الروائية الجزائرية احلام مستغانميّ في احدى مقالاتها شاهدا على الحالة المزرية للمبدعين العرب. تقول انها كانت بالمصادفة قادمة من باريس وفي حوزتها مخطوطة روايتها “ذاكرة الجسد” قضت اربع سنوات في نحتها جملة جملة لكنني - كما تروي - ما كنت اعلن عن هويتي الاّ ويجاملني احدهم قائلاً : آه... أنت من بلاد الشاب خالد!” انّ هذا الرجل طبقا لما تقوله مستغانميّ يظهر في التلفزيون برفقة كلبه ويضع قرطا في أذنه ولا جواب له على اي سؤال سوى بالضحك!
أليس محزنا انّ مطربا بكلمتين - اشارة الى أغنيته التي قذفت به الى مصاف الشهرة وهي “دي دي واه” – حقق مجدا ومكاسب لم يكن يحلم بها كبار الكتّاب على امتداد الارض العربية. وليس هذا المطرب هو الحالة الوحيدة التي تعد شاهدا على حالة الانحطاط لأمتنا العربية. فقبل سنوات خرجت الجماهير الغفيرة لاستقبال نجم ستار اكاديميّ المدعو محمد عطية الى الحد الذّي اضطر مسؤولو الامن في مطار القاهرة الى “تهريبه” بعد وقوع جرحى جراء تدافع مئات الشبان والشابات الذين ظلوا يترددون على المطار لاستقبال “البطل” ولا حول ولا قوة الاّ بالله.