العدد 2104
السبت 19 يوليو 2014
إنّهم يخطئون ويصيبون محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
السبت 19 يوليو 2014

عندما وصل رئيس البوسنة الراحل علي عزت بيجوفتش لتأدية الصلاة في المسجد كان الوقت متأخراً فامتلأت الصفوف بالمصلين بيد أنّهم افسحوا له الطريق ليتقدم نحو الصف الأول من الجماعة. هذا التصرف لم يعجب بيجوفتش الذي لم يتمالك نفسه فرفع صوته معلناً غضبه وامتعاضه وأطلق مقولته الشهيرة «هكذا تصنعون طواغيتكم».
قد يكون ما قام به المصلون من فعل مُبرّرا لكون هؤلاء المصلين لم يخرجوا عما كان يتطلبه منهم الموقف من احترام للكبير وهذا أيضاً ما تفرضه عليهم القيم الإسلامية كما أشار رسولنا الأكرم محمد بن عبدالله صلّى الله عليه وآله في الحديث الشريف «ليس منّا من لا يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا». وهي مطلوبة في كل مواقف حياتنا من عناية بكبار السن بل تقبيل أيديهم لما يتركه من أثر في نفوسهم وإنزالهم المكانة اللائقة بهم.
ويبدو لنا أنّ ما كان يرمي اليه بيجوفتش كان أمراً مختلفاً تماماً إذ انّ الناس متساوون ولا تمييز بينهم لا في الامور العبادية وحدها بل حتى الحياتية الأخرى. ورغم اننا نستحضر مقولة بيجوفيتش في العديد من المناسبات اعجابا بها الاّ انّ المفارقة انّ اغلبنا يتصرف كهؤلاء المصلين تماماً بوعي حينا وبغيره في أغلب الاحيان.
بعض البشر يملأهم الغرور والطغيان حين يجدون من يضّخمهم ويسبغ عليهم من الصفات مما ليس فيهم وحين لا يجدون من لا يردعهم عن افعالهم وتصرفاتهم. وكان المفكر الإسلامي مالك بن نبيّ قد قال ذات مرة إنّ لدى الشعوب قابلية للاستعمار. والذي كان يعنيه هذا المفكر أنّ الاستعمار ما كان ليحتل بلداننا ويهيمن على مقدراتنا لو أنه لقي المقاومة والممانعة التي تردعه وكذلك الأمر للبشر فرفع مكانتهم فوق ما هم عليه يؤدي بهم الى الغرور والتعالي.
ومما ينسب للإمام عليّ بن أبي طالب قوله «لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حرّاً» فالغير الذي يقصده الإمام قد يكون أي انسان طغى فيطيعه البعض في معصية الله ويسعى للحصول على حطامها فيكون عبداً لها. ولا يرتضى الإنسان العبودية الا اذا كانت نفسه فارغة من الايمان أما من يشعر بالامتلاء الروحي فيستحيل استعبادها ولا يمكن أن تقبل الذّل والإهانة.
ثمة بديهية شائعة تقول إنّ الناس من يصنعون رموزهم ولو أنهم لم يجدوا هذا الرمز لاخترعوه وصنعوه ولجعلوا منه اشبه بالصنم. ولذا لم يعد من المستغرب أن تكون لبعض الرموز الدينية كل هذه الهالات الأمر الذي دفع البعض منهم الى منح انفسهم صلاحيات وسلطات لم تكن لهم واستخدام الدين بطرق شتى. ومع مرور الايام لم يقبلوا ان ينازعهم احد على هذه الصلاحيات.
وإزاء هذه الحالة فإنّه لا يجب أن نمنح أي شخص - أيا كان هذا الإنسان - مكانةً هو دونها وإلاّ تحوّلنا الى كائنات مستلبة بكل معنى الكلمة. إنّ التفاعل مع طرح أي رجل من شيوخ الدين ليس مشكلة لكن بشرط ان لا يجعل منك انسانا مستلباً اي ينزع ملكة التفكير والتمحيص فيما تتلقاه. إنّ المؤسف أنّ بعض الناس لا يدركون أنّ رجل الدين يخطئ كغيره من البشر وهذه الحقيقة لا ندركها الاّ متأخرين ومتأخرين جدّا اي بعد فوات الأوان ومضي قطار العمر وتكبد خسارات فادحة وكبيرة جداً.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .