في التاريخ أمثلة لا حصر لها على استشهاد أهل الفكر في سبيل قضيتهم ومبادئهم، بيد أننا هنا أمام نموذج فريد من هؤلاء هو الإمام عليّ بن أبي طالب (ع). فقد رفض كل أشكال المهادنة على مبادئه مهما كان حجم التضحيات الممكن أن يقدمها. ولا تملك ألاّ أن تنحني أمام صلابة وشجاعة وفصاحة هذا الرجل العظيم.
حين قال الإمام “الناس صنفان إمّا أخٌ لك في الدين أو نظير لك في الخلق” فمعنى هذا أنّه ارتفع عن عواطفه وانفعالاته وصار ضوءا عابراً للأزمنة كلها. ومعناه أيضا انه تسامى على ضعفه البشري. ومعناه انّه اختار ذاكرة الإنسان الكبيرة التي تسع كل هموم البشر الآخرين وارتسمت عليها عذابات الإنسانية بكل آلامها وأشواقها. ومعنى ذلك أنّ هذا الفارس العظيم تجاوز الخاص الى العام وخرج من التفاصيل المحدودة الى اللامحدود، وأن معاناة اي كائن بشري من اي لون أو جنس هي معاناته الشخصية.
هو رجل المواقف والمبادئ ففي الحروب البطل كرار غير فرار وفي البلاغة والفصاحة قلّ ان نجد له النظير عبر التاريخ وهو رجل الزهد والتقوى. عاش حياة التقشف الى حدّ استعصى الآخرون عن مجاراته وقال في هذا “رقّعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها”.
قال ذات مرة لجلسائه “سلوني قبل أن تفقدوني فإنّ عندي علوم الأولين والآخرين أما والله لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت اهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم حتى تنطق التوراة فتقول صدق علي ما كذب”. ومن سخريات القدر أن يقول أحدهم مستهزئاً: كم شعرة في لحيتي؟ فقال له عليه السلام: إنّ على رأس كل شعرة من رأسك شيطاناً وملكا يلعنك، وما في رأسك من شعرة اصلها شيطان يستفزك.
إنّ حجم العلوم التي يحملها الإمام بين جوانحه ما لم يكن بوسع الآخرين استيعابه وإدراكه أو الإحاطة به. ولعلّ المدهش هنا أنّ كل فرقة من فرق الإسلام تعلن انتماءها الى فكره المتوهج تستمد من فيض علمه وعطائه وهي بهذا الانتساب إنّما تعلن عن شرعيتها وثبات موقفها. الأشاعرة نسبوا انفسهم الى مدرسة الامام الفكرية، والمعتزلة ايضاً ادعوا انتماءهم الى منهجه الإنسانيّ والمتصوفة بدورهم قالوا إنّ عليّ بن أبي طالب إمامهم وآخرون مما لا يتسع المجال لحصرهم. باختصار أضحى عليّ قطبا لكل مدرسة وفكرة ومنهلا لكل طالب علم.
في “نهج البلاغة” الكثير من كلماته التي تحث على العلم وقرنه بالعمل حتى لا يبقى مجرد نظريات لا قيمة لها وتجسد هذا في قوله “العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل إذ لا خير في علم بلا عمل ولابدّ للعارف أن يكون عاملاً. اذا لا العبرة – بنظر الإمام – كثرة العلوم النظرية لأنّها لا تغني عن السلوك الحسن والسيرة الخيّرة. والتربية كما أصّلها الإمام عليّ لا تعتمد الكم بل من الضرورة ان تعتمد الكيف والنوع وإلاّ فقدت قيمتها. كما يجب أن تسهم في نمو شخصية الفرد والمجتمع كما قال “لا تجعلوا علمكم جهلاً ويقينكم شكاَ اذا علمتم فاعملوا واذا تيقنتم فأقدموا” هذا المضمون للعلم استلهمه من بعده العديد من الفلاسفة من الشرق والغرب كالغزالي وجون ديوي.
فسلام على عليّ بن أبي طالب يوم وُلد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.