كان صوته على غير العادة حزيناً ومتقطعاً ومتعباً وكأنه قطع مسافة تقدر بآلاف الأميال. عرفته صلباً حتى في أقسى الأوقات وأصعبها، لكنه بدا اليوم خائر القوى متلف الأعصاب وعن الأمر الذي أودى به إلى هذه الحالة قال بنبرة يشوبها الأسى والألم شعرت بالآم حادة وكنت أغالبها طوال الليل وفي الصباح قصدتُ المركز الصحي بالمنطقة. وبما أن اليوم كان بداية الأسبوع، فإنّ العيادة كانت مكتظة حتى لا تكاد تجد لك موطئ قدم. وبعد انتظار استهلك أعصابي واستنزف ما تبقى من طاقتي ومعاناة عشت خلالها في دوامة انهكتني نفسيا وعصبياً، وأضافت أعباء إلى ما أحمل حتى حانت لحظة الفرج بالدخول على الطبيب.
وكنت أمني النفس أنّها نهاية رحلة الآلام، ولكن شعرت بصدمة هزت كل ذرة في كياني، اذ وجدت الطبيب منهمكاً يثرثر في حديث شخصي دون أي اكتراث بوجودي فضلاً عن حالتي واستغرق فيها ما يقرب من اثنتي عشرة دقيقة. ما يثير الدهشة هنا أن الطبيب الذي تخير أقدس مهنة على الإطلاق نسي أو تناسى أنّ هناك العشرات ممن يكتوون بنار الانتظار على باب غرفته. وحقيقة لا أدري كيف لمن أقسم عقب تخرجه على أن يراقب الله في مهنته، وأن يكون أميناً في رسالته ويحفظ للناس كرامتهم، إذ به يتخلى عن القسم دون أن يرف له جفن.
وبوجه عابس مكفهر سألني عما أشعر به وفي ظرف لا يتعدى الدقيقة شرحت الحالة بينما كان يقلب أوراق الملف الصحي ودون إجراء أي نوع من الفحص كتب روشتة طالبا منيّ التوجه إلى الصيدلية. والحقيقة أنني خشيت أن أبدي اعتراضي على هذا النوع من العلاج، فيرد عليّ بلهجة عنيفة ومهينة: لا أحتاج من يعلمنيّ أصول عملي ..!
ولم يكن أمامي من خيار حينها سوى أن أكظم غيظي وأسلّم أمري إلى الله وخرجت من الغرفة وقد تضاعفت آلامي النفسية والجسدية بأشدّ مما كانت عليه في السابق.
هل نحتاج التذكير بمسألة بديهية بأنّ الطب مهنة إنسانية بالدرجة الأولى أو كما يقال دوماً عندما تعالج مريضا، فإنّك تداوي روحاً قبل أن تداوى الجسد. إنّ أساسيات أخلاق الطبيب هي الابتسامة، إنها أقصر الطرق إلى قلب المريض. ذلك أنّ الابتسامة تزيح اثقالاً من الألم تجثم على صدر المتألمين إضافة إلى كونها تبعث الثقة في نفس المريض، وهو ما يدفع المرضى إلى البوح بما يعتمل في نفوسهم. أعتقد أنّ الذين اعتادوا الإنصات إلى مرضاهم قلّة بين من احترفوا التجهم وتقطيب الوجه. إنّ نظرات الاستهزاء والاستخفاف لن تسهم في تخفيف الألم. وإزاء هذه الحالة ليس مستغرباً أن يخرج الكثيرون من العيادات وقد ساءت أحوالهم بدلاً من أن تتحسن والمسؤولية يتحملها من أوكلت بهم تلمس مواطن الألم.
إنّ الأغلب الأعمّ من الإشكالات بين المرضى والأطباء ناجمة عن سوء تصرف ومعاملة الأطباء وبالطبع أنها تخلف آثاراً سلبية في نفسية المرضى، بل إنها تضاعف من حجم آلامهم ومعاناتهم.
وللامام عليّ بن أبي طالب مقولة رائعة مفادها “إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فاسعوهم بأخلاقكم”، والطب كالتعليم أمانة ثقيلة وكما جاء في القرآن الكريم “إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلوماً جهولاً”. (الأحزاب الاية 72)