أغلبنا بلا شك يتذّكر قصّة الفتاة الصالحة بائعة اللبن ابّان عصر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. اذ بينما كان الخليفة يتفقد أرجاء المدينة وكان الوقت حينها منتصف الليل. وعندما شعر بالتعب جلس بجانب جدار وإذا به يسمع صوتاً من داخل البيت الذي هو بجواره وكان لفتاةٍ تخاطب أمها قائلة “يا أماه لا تمزجي اللبن بالماء لأنّ أمير المؤمنين نهى عن هذا”. فقالت الأم: “يا ابنتي قومي الى اللبن فامزجيه بالماء فإنك في موضع لا يراك فيه عمر ونحن في هذا الوقت من الليل”. قالت الصبية والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء. إذا كان أمير المؤمنين لا يرانا فربّ أمير المؤمنين يرانا. فلما سمع عمر بن الخطاب ذلك أعجب بالفتاة لورعها ومراقبتها لله رب العالمين وقال: يا أسلم علّم الباب (أي ضع عليه علامة) واعرف الموضع ثم مضى فلما اصبح قال يا اسلم امض الى الموضع فانظر من القائلة؟ ومن المقول لها؟ وهل لهما من بعل (زوج) فذهب أسلم الى المكان فوجد امرأة عجوزا وابنتها. وعلم أن ليس لها رجل فزوجها لابنه عاصم فولدت له بنتا فزوجها عبدالعزيز فولدت له غلاماً سماه عمر بن عبدالعزيز هو “الخليفة العادل”.
استحضرت القصة السالفة وأنا استمع الى عشرات من قصص النصب والغش لمن شاءت حظوظهم العاثرة أن يقعوا ضحايا لمحترفي الغش. ولم يكن ذنبهم سوى طيبتهم وبراءتهم. انّ الهدف الذي يسعى اليه من احترف الغش هو السرعة في الثراء وجني الأموال الطائلة بطرق غير مشروعة طبعا دون وازع من ضمير أو خشية لعقاب. وفي ذاكرة كل واحد منا موقف أو أكثر لعملية غش صغيرة أو كبيرة.
يقول صديق إننيّ رغم معرفتي بأنّ مجال الغش في السيارات بات أمراً شائعاً للجميع وإنّ الغشاشين أصبحوا يتكاثرون كالفطر في كل موقع الاّ انّ مجال النصب في السيارات المستعملة هو الأكثر رواجاً وبأساليب احترافية غاية في الدهاء نظراً لما يدّره من أرباح وفي ظروف أسرع من غيرها. المؤسف اكتشفت لكن بعد فوات الأوان أنّني وقعتُ ضحية لعملية غش.. ذلك انّ السيارة بعكس مظهرها الخارجيّ تعرضت لحوادث قوية وليت الأمر توقف على الجسم الخارجي وحده لهان الأمر بل انها طالت المحرك. وبخبرته واحترافه في هذا المجال فإنه ادخل عليها التحسينات الخارجية وقام بتلميعها الى حد يصعب التعرف على مكمن الخلل.
وإمعانا في تضليل المشتري فإنّ البائع يقسم بأغلظ الايمان انّ حالتها جيدة وأنها لم تتعرض لصدمات البتة. بل إنّ آخرين يقدمون على اجراء تزوير في عدّاد السيارة بحيث تبدو للمشتري انّها قليلة الاستعمال. شخصٌ لآخر قال انه عرض السيارة التي كان ينوي شراءها على خبير سمكرة متمرس واكتشف بخبرته عيوباً لم تخطر على البال أخفتها عمليات السمكرة على جسم السيارة الخارجيّ.
والخلاصة أنّ الذي أردنا أن نقوله هنا إنّ عمليات الغشّ والنصب في هذا الزمن اضحت متقنة اكثر من أي وقت مضى بكثير وممارسي الغش لا يتورعون عن استخدام أخبث الاساليب لتصريف بضاعتهم. والسؤال الذي يواجه أي فرد منّا هو من يحمينا من اصحاب الضمائر الفاسدة؟ انّ المواطن بحاجة فعلية الى من يحميه من محترفي الغش أكانت سيارات أم بضائع مغشوشة حيث بات همهم الكسب السريع على حساب الآخرين.
إننا امام مشكلة ليست سهلة وهذا ما يدعونا الى التساؤل هل هناك رقابة على هذا النوع من التجارة؟ الحقيقة في ظل ما نشاهده ونلمسه من عمليات غش واسعة بتنا نعتقد انّ الرقيب غائب تماماً وإلاّ ماذا نفسر ما يجري أمامنا؟.