العراق يمر بمخاض عسير فالحملات الانتخابية انطلقت الثلاثاء الماضي بمشاركة ما يزيد على تسعة آلاف من المترشحين للتنافس على مقاعد المجلس النيابيّ البالغ عددها 328 مقعداً. ليس بمقدور أحد التكهن بالنتائج الممكن ان تسفر عنها ولصالح اي فريق أو تكتل فالمعركة بدأت ومن الجلّي لأي مراقب انّ كل تجمع اخذ يشحذ اسلحته المشروعة وحتى غير المشروعة لكنّ الاخطر في المعركة كما يبدو لنا هو الزج بالدين كأحد الأسلحة لترجيح كفتهم للفوز. ومن اغرب الدعوات التي انطلقت خلال الحملات الدعائية فتاوى لكبار رجال الدين تحرم انتخاب العلمانيين والايحاء بأنّهم كفار في قبالة الدعوة الى انتخاب من ينتمون للأحزاب الاسلامية حتى لو لم يكونوا مؤهلين للنهوض بأعباء العمل البرلمانيّ.
غير أنّ هناك من يشير الى أنّ “العامل السيكولوجيّ” يلعب دورا مؤثراً في تحديد صوت الناخب العراقيّ لخصوصية الشخصية العراقية. وهذا مزيج من تفاعل القيم الاخلاقية والدينية والاقتصادية (المصالح)، كمثال فإنّ انتخابات (2010) لجأ البعض الى الاحتماء بالطائفة لشعوره بأنه (الضحية) مما دعا الاغلبية الى التصويت لطائفته أو قوميته للاحتماء من الآخر. من المرجح أنّ الكتلة التي يتزعمها رئيس الوزراء نوري المالكيّ ستحصد أعلى الأصوات أما الكتلة المنافسة لها وتوازيها جماهيرية فهي التي يتزعمها رجل الدين عمار الحكيم تليها في الحجم الأحرار بزعامة رجل الدين الآخر مقتدى الصدر الذي اعلن قبل اسابيع اعتزاله العمل السياسيّ.
وإضافة الى الكتل السالفة التي تشكل الثقل الجماهيري الأوسع ثمة تجمعات اخرى اهمها “العراقية” بزعامة اياد علاوي التي اضحت اليوم مفككة نتيجة للصراعات التي دبت في اوساطها على الزعامة. وكتل اخرى كـ “التحالف الكردستانيّ” وهذه تعيش صراعات داخلية ادت الى تفككها وإضعافها. غير انها لا تحظى بالجماهيرية التي تؤهلها للفوز بتشكيل الحكومة القادمة. المنافسة ستكون بين القطبين الأقوى وهما دولة القانون والمواطن. أي بين المالكي من جهة والحكيم من الجهة الأخرى.
ورغم ما يدعيه المالكي من أنّ كتلته تتمتع بجماهيرية ساحقة في محاولة لتقوية موقفه امام الرأي العام الاّ أنّ من يرصد الخطاب الدينيّ ممثلا بالمرجعيات الدينية العليا فإنه يستنتج انّ هناك انتقادات لاذعة وشديدة على الاوضاع السياسية والامنية والمعيشية في العراق منذ تسلّم نوري المالكي رئاسة الوزراء. ولعل النموذج الابرز ما صرّح به الشيخ عبدالمهدي الكربلائي الذي وجّه نقدا حاداً لاداء الحكومة قائلاً “انّ الفساد المالي والاداري وصل لأعلى مستوياته. الفساد المالي والاداري فحدّث ولا حرج فالعراق اصبح واحداً من اكثر بلدان العالم فساداً” وطالب في نفس الوقت بضرورة التغيير والحاجة الماسة اليه. ولم يقف النقد الى هذا الحد بل طال المتقدمين للترشح داعيا الناخبين الى عدم الالتفات لوعودهم – المترشحين – انما لنزاهتهم وإخلاصهم. وبالرغم من الاموال الطائلة التي يدرها النفط على العراق فإنّ الاشكالية الأكبر أنه لا توجد اية خطط تنموية توفر الحياة الكريمة للمواطن العراقيّ. اذ انّ الاكثرية من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر فيما الصناعة والزراعة وصلت الى ادنى مستوياتها.
المتابع للوضع السياسي في العراق لابدّ له ان يتوقف أمام واحدة من اعقد المعضلات والاشكالات التي تقض مضاجع العراقيين بلا استثناء على اختلاف انتماءاتهم السياسية والدينية ونعني بها الموازنة العامة.