أعتقد أنه من الصعب اختزال كتاب في عدة أسطر. ما بالنا إذا ونحن إزاء سِفر بالغ الأهمية تجاوزت صفحاته الثمانمئة. الكتاب الذي نحن بصدده هو “آفاق العصر الأميركي - السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد” للباحث الإماراتي الدكتور جمال سند السويدي الذي وقعه قبل أيام في معرض الكتاب الدولي. وليس من المبالغة من ذهبوا الى أنّ الكتاب يوازي في عمقه وقيمته الفكرية والعلمية والأكاديمية كتاب الدبلوماسية لهنري كيسنجر أو السلم والأمن لريموند آرون. يعد السويدي احد المفكرين الاستراتيجيين ليس على مستوى الخليج فحسب لكن على الصعيد العربيّ والاسلاميّ. ويشغل السويدي حالياً “المدير العام لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية”. مما ينقل عن السويدي أنه يحسن الاستماع ويرسل تآليفه قبل النشر الى باحثين وأكاديمين ونقاد فيتقبل الانتقاد بصدر رحب وهي سمة قلّ أن تتوفر للكثير من الباحثين وتنم عن تواضع الرجل وفي الوقت ذاته تقدم الدليل على ما يتميز به من تواضع الباحث وموضوعيته. وحاول السويدي اعطاء صورة للتحولات في ميزان القوى والنفوذ العالمي “لأننا اليوم اصبحنا بحاجة الى منظور جديد لما يدور حولنا خصوصا في خضم الاحداث التي يمر بها النظام العالمي الجديد”.
الباحث يؤكد أنّ الولايات المتحدة الاميركية هي القطب المهيمن على النظام العالمي الجديد. ورؤية الكاتب انّ هذا النظام سيستمر نحو خمسة عقود كاملة على اقلّ تقدير وبالطبع لم يأت استشراف الكاتب مصادفة بل مدّعما بالبيانات والاحصائيات الدقيقة بعيدا عن الانطباعات والانحيازات والرؤى الشخصية. وتشير كل الدلائل الى أنّ الولايات المتحدة تتفوق في عدة مجالات بينها الاقتصاد وموارد الطاقة والنقل والتعليم والثقافة والتقدم التقني. وبعدها روسيا والصين والاتحاد الاوروبيّ واليابان والهند والبرازيل.
الكتاب يتميز بلغة مبسطة للغاية بحيث يمكن للأغلبية من غير المتخصصين استيعاب ما يتضمنه من حقائق ومعلومات. ويطرح اسئلة بالغة الأهمية ترتبط بتوازنات القوى العالمية بين الدول والتكتلات الاقتصادية. كما يسلط الضوء على صراع النفوذ في العالم العربيّ من خلال طريقة البحث والاستقصاء والمقارنة.
في تناوله للنظام العالمي الجديد فإنه يتخذ طابعا مغايراً لما سبق طرحه من قبل كما يشير الباحث. الكاتب لا يضع نفسه في موقع من يرسم المستقبل ويخطط له كما فعل الكثيرون. هؤلاء يزعمون أنّ افكارهم مؤكدة وغير قابلة للنقاش. أما الذي يدحض نظرياتهم ومزاعمهم فيتمثل ببساطة “المتغيرات المتسارعة والتطورات الهائلة التي يشهدها العالم وهذه قادرة على تجاوز اي تخطيط”. المستقبل يرسمه الحاضر انطلاقا من الماضيّ.
لم يكن همّ الباحث السويدي رسم خارطة طريق استشرافية فقط بل توضيح الحقائق وتسليط الضوء على مؤشرات احصائية وتحليلية يستنير بها من يشاء.
اعتقد انّ القضية الجوهرية في البحث هي الاشارة البالغة الاهمية الى أننا لا يمكن ان نعيش بمعزل عما يدور حولنا في العالم. فالعالم يتقارب بوتيرة هائلة التسارع ويصطف ضمن نموذج واحد يصعب الفكاك منه. الحديث حسب الكاتب يدور حول تراجع دور الدولة ومؤسساتها في عالم ارتبكت فيه المفاهيم مثل حدود السيادة والمواطنة والنفوذ القوميّ.
وتبقى الاشارة الى انّ الباحث في تطرقه الى دروس الماضي فإنها جاءت عابرة دون اطالة ربما لاعتقاد الكاتب انّ الوقوف امام الماضي بإسهاب قد يشكل عقبة امام المستقبل وربما يدفع الى الاحباط جراء ما يحمله من مآس. وأخيرا انّ هذا البحث القيم سيساعد في قراءة المنطقة العربية خصوصا انّ المنطقة هي مركز احداث ونقطة التقاء لكثير من الملفات الاستراتيجية.