في ظل ما شهده عالمنا العربيّ من هبّات سياسية وربيع عمّ معظم بلدانه، فإنّ المشاهد أنّ ثمة تراجعاً محزناً على صعيد الفنون بأجمعها، أي أنّ الربيع العربيّ لم يرافقه للأسف ربيع ثقافي كما يفترض، بل إنّ العكس هو الصحيح، إذ أنّ أقطارنا العربيّة تراجعت عشرات الخطوات إلى الخلف في مفارقة تستدعي التوقف أمامها طويلاً. البعض عزا مثل هذا التراجع إلى ما أسماه باختطاف الحراك، وعدنا عشرات الخطوات إلى الوراء. ومن هنا فالمسألة برمتها تحتاج إلى مراجعة خصوصاً عندما تكون القوى المحركة للإبداع مؤدلجة ومؤججة على النحو الذي يهدد السلم الأهلي.
الفنون باتت هوية للإنسان العربيّ تعكس واقعه وتعطي صورة صادقة عن شخصيته، كما أشار ذات مرة عالم الاجتماع العربيّ ابن خلدون إلى أنه في انتصار وازدهار الأمم، فإنّ العبارة ترتقي في اللفظ والكلمة والغناء. وبعد انحسار عصر عمالقة الغناء العربيّ في ستينات وسبعينات القرن الفائت، خصوصا إبان المرحلة الناصرية تحديداً التي شهدت تحولات كبرى على صعيد الفكر والفن والثقافة، تلتها مرحلة على النقيض تماماً، إذ شهدت مرحلة ما بعد عبد الناصر جزراً ثقافيا بكل معنى الكلمة. فاحتضرت فيها المسارح بأنواعها، وانتكست حالة الثقافة إلى الحضيض، وبات الإنسان العربي يفاجأ في كل يوم بموجة من الأعمال التي لا علاقة لها بالفن ولا بالثقافة.
قبل أسابيع، رحل عن عالمنا الفنان الكبير وديع الصافي، مما يعدّ إيذاناً على نهاية عصر من الغناء الجميل. ذلك أنّ هذا الفنان الكبير لم يكن مجرد صوت جميل ومغنٍ رائع فحسب، بل إنه شكل بأدائه المدهش والعفوي حالة ثقافية إبداعية أسهمت في صياغة ذائقة فنية لأجيال من متذوقي فنه الجميل. الصافي غنىّ للوطن والإنسان، واستطاع أن يحقق بفنه الراقي ما عجز عن تحقيقه الآخرون في الحقول الفنية كافة. وكان حتى آخر حياته قبل أن يداهمه المرض يدهش البنانيين والعرب بفنه. وطالما شعر الكثيرون من محبي غنائه بأنه يلامس أوجاعهم وهمومهم وأشواقهم، وتلك موهبة كما أعتقد لا تتوفر إلاّ للقلة من المبدعين. إنّ وديع الصافي الذي أطرب عشاق فنه الأصيل والجميل والمبهر على مدى عقود طويلة لم ينل التقدير الذي يليق بمكانته الفنية، شأنه في ذلك شأن الكثيرين من الرواد الذي يذهبون بصمت. والمشكلة التي تبدو لي أنّه في رحيل أحد العمالقة من طراز وديع الصافي أكان في الغناء أم في الفكر والأدب، فإننا لا نجد من يسد الفراغ الذي يتركونه. والذين تابعوا مسيرته الفنية طوال مشواره الغنائي لا شك أنهم دهشوا لعبقرية وديع الفنان والإنسان.
في المقابل، يمكن لأي منا أن يرصد دون عناء مدى الهبوط والإسفاف في الأغلب مما يبث عبر فضائياتنا التي تكرس وقتا طويلا من مساحات بثها للركاكة والإسفاف. ولابدّ أن أغلبنا صُدم بواحدة منها تحت عنوان “بحبك يا حمار”، وقبله كانت أغنية شعبان عبد الرحيم “أنا بحب الحمار بجد مش هزار”، بيد أنّ الصدمة المروعة والظاهرة التي لا نجد لها تفسيرا، بل المثير للحزن والدهشة أن تسجل مثل هذه الأغاني رواجاً!! ألا يعد هذا دليلا على أننا نعيش الزمن العربي الرديء؟
المؤسف أنّ كل هذا يحدث في عالمنا العربيّ في الوقت الذي تؤكد الأرقام والمؤشرات الاقتصادية أنه في تراجع على المستويات الاقتصادية. وكان الأولى أن نحشد الطاقات للقضاء على الفساد والفقر وكل الهزائم الأخرى في طول الوطن العربي وعرضه.