العدد 1841
الثلاثاء 29 أكتوبر 2013
شباب أضاعوا البوصلة محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 29 أكتوبر 2013

تحكي رواية تاريخية أنّ التتار عندما أرادوا غزو بلاد المسلمين حيث كانت بلاداً واحدة قوية ممتدة ومتوحدة ارسل زعيمهم بعض الجواسيس ممن يدرسون نفسيات وممارسات العدو القادم فلما وصل هذا الجاسوس بلاد المسلمين وجد شابا مسلماً في الرابعة عشرة من عمره ينظر الى القمر فسأله: فيما تفكر؟ فأجاب الشاب بكل ثقة وطموح وثبات: أفكر في ايجاد الشيء الذي اخدم فيه امتي وأعلي شأنها بين الامم وأقدم حياتي وعمري له ومن اجله!.
فقطع الجاسوس زيارته وعاد الى زعيمه مسرعا وأخبره بهذه الاجابة ذات الدلالات العميقة والدقيقة من شاب يافع يحلم أحلاما عظيمة ورؤية ملهمة. فرد زعيم التتار لن نستطيع الهجوم على بلاد المسلمين طالما انّ لديهم شبابا يتمتعون بهذه العقليات والاهتمامات الكبيرة والمؤثرة واستطرد في قوله اذا كان شابا يافعا يفكر هكذا فكيف الامر بقادتهم وكبرائهم؟.
وبعد مرور عشر سنوات أمر الزعيم نفس الجاسوس بأن يذهب الى بلاد المسلمين والقيام بنفس المهمة فذهب فوجد شابا في نفس المكان ينظر الى القمر. فسأله فيما تفكّر؟ فرد الشاب: انني حائر بمطلع قصيدة غزلية اريد ان اهديها الى عشيقتي! فعاد الجاسوس مسرعا الى بلاده وأخبر زعيمه بالخبر اليقين وبالتغيرات التي حصلت في الاهتمامات والافكار والممارسات لدى بلاد المسلمين. حيث حصلت اهتمامات كبيرة وذات اثر ومعنى وبعدها انحدرت الامور والاهتمامات الى درك ووحل الامور الشخصية والسطحية والساذجة وغير المجدية على الاطلاق. وعندما وقف زعيم التتار على هذا النمط من التفكير أمر بتحضير الجيش وبدء الزحف على بلاد المسلمين.
أمّا حال شبابنا العربي اليوم فإنه يدعو الى الرثاء والبكاء فتكفي نظرة سريعة لما يجول في اذهانهم وتصرفاتهم لنقرر انّ الامة العربية والاسلامية تعيش أسوأ عصورها فكريّا وأخلاقيا فالتباهي بأنواع السيارات الفاخرة والملابس وغيرها هو ما يسيطر للاسف على عقولهم والحال بالنسبة للفتيات يكاد يكون مشابهاً ان لم يكن أسوأ فالذي يشغل بالهنّ هو اقتناء الماركات العالمية والملابس الفاخرة والعطور وفئة منهنّ ينصرف تفكيرهنّ الى عمليات التجميل. ويجب هنا ان نضع في الاعتبار انّ الانفاق على هذه الامور يستنزف ما يناهز نصف الراتب وأحيانا يفوق هذا المبلغ.
أشعر انّ ما يحدث لهذه الشريحة من أبنائنا وبناتنا ليس أمرا اعتياديا يجب غض الطرف عنه بل يتعلق بمصير امّة بأكملها وبالتالي الواجب يقتضي قرع جرس الانذار لإيقاظ الجيل من غفوته او سباته العميق. وكم كنا نتمنى لو أنّ الشباب أقاموا شيئا من التوازن في حياتهم وأعني انّ الاهتمام بالمظهر يقابله على الصعيد ذاته اهتمام موازٍ في الثقافة وبناء الذات. بيد أنّ من يتأمل احوال الاغلبية الساحقة منهم فإنه يكتشف انّ هناك قطيعة مع وسائل التنمية الثقافية كالقراءة. ولو أنّك سألت أحدهم عن أحد الاعلام العرب في الشعر كالمتنبيّ أو المعري او الجاحظ فإنه ينظر اليك باستغراب شديد وكأنّك تحدثه عن اناس تعيش على كوكب آخر مما ينبئ عن جهل مطبق وتصّحر ثقافي يسود حياتهم. وكما قال ذات مرة أديب عربيّ انّ هذه النماذج من الشباب يطمحون الى فتح العالم وهم عاجزون عن فتح كتاب يتضايقون من لغتهم العربية لانهم لا يستطيعون قراءتها وهم مقتنعون انّ كل العصور التي سبقتهم هي عصور تخلف وانّ ما كتبه العرب هو رداءة وانحطاط.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .