العدد 2104
السبت 19 يوليو 2014
قرار إيجابي يخدم المجتمع والدين عبدعلي الغسرة
عبدعلي الغسرة
السبت 19 يوليو 2014

لم يخطئ العاهل المغربي الملك محمد الخامس في قراره الصائب بحظر النشاط السياسي على القائمين على الشأن الديني، وهو ما يهدف إلى الفصل بين الدين والسياسة، وإلى عدم استخدام أماكن العبادات في المتاجرة السياسية، فالدين نزيه والسياسة كرٌ وفر، الدين صدق وإيمان، والسياسة مليئة بالأكاذيب والخداع، لا يمكن الجمع بين العقيدة الدينية والانتماء السياسي، فطريقهما مختلف ولا يلتقيان في الأداء، الدين يُحرم سفك الدماء والسياسة تسمح بسيل الدماء لتحقيق أهدافها. فشيخ الدين القائم على الشأن الديني عليه أن لا يتدخل في الشأن السياسي حتى لا يقع المحظور منه، وأن لا يؤيد طرفا سياسيا على حساب فريق آخر، وأن لا يستعمل دور العبادة وتكريسها لخدمة هذه الجمعية أو تلك، فالمساجد والجوامع والمآتم أسست للعبادة ولأداء الشعائر الدينية السمحة وليست للسياسة وأهدافها، وهذا الأمر لا يعني أن الدولة تحتكر إدارة الدين لوحدها دون غيرها، كما أن المساجد ليست حكرًا على طيف ديني دون آخر، فدور العبادة هي لله تبارك وتعالى ولجميع المؤمنين الذين يحق لهم استخدامها بشروط الطمأنينة والسكينة والتسامح والإخاء الواجبة لإقامة شعائر الدين فيها.
والقرار سواء تم اتخاذه في المملكة المغربية أم في أية دولة عربية أو إسلامية أخرى فهو إيجابي من أجل إبعاد المساجد عن الأمور السياسية والتشاحن بين الجمعيات وعن سيطرة الجمعيات الدينية على المساجد التي يستغلونها للتهجم على خصومهم الدينيين أو السياسيين أو المفكرين والمثقفين الذين طالهم هدر الدماء وتعرضوا للنبش في أعراضهم، أو لتحريض الناس على الدولة والتعرض لرموزها السياسية والدينية والفكرية أو الانتقاص من الآخر (سياسيًا ودينيًا). وسواء الجمعية السياسية التي تنهل من المرجعية الإسلامية أو غيرها فلا يحق لتلك أو لهذه استخدام الجوامع والمساجد والمآتم ويجب تحييد دور العبادات هذه وتحييد خطبائها وأئمتها. لذا.. الأمر يتطلب إعادة هيكلة للحقل الديني كأحد آليات إبعاد دور العبادة عن العمل السياسي، وهو أن تكون جميع دور العبادة بمختلف دياناتها وأطيافها تحت إدارة واحدة وتكون تابعة لمكتب وزير العدل والشؤون الإسلامية.
وهذا الأمر لا يعني أن الدولة تقوم باحتكار السلطة الدينية ـ وهي المسؤولة عنها ـ بل إن الظروف الإقليمية التي تعيشها المنطقة العربية والخليج العربي والبحرين المتمثلة في تصاعد الخطاب الديني المتطرف أيديولوجيًا وعسكريًا وتأثر الكثير من الشباب به يُحتم على الدولة أن تعمل على إقرار تحييد دور العبادة وإنقاذ هؤلاء الشباب من التهلكة السياسية المغلفة بالإطار الديني. خصوصا أن الكثير من الشباب في مختلف الأقطار العربية والإسلامية انقادوا بدون وعيٍ وإدراك وشاركوا في المعارك التي يعيشها المشرق العربي في سوريا والعراق واليمن بعد أن استخدم خطباء دور العبادة فعل التحريض ضد الأنظمة العربية وإلى إبداء مواقف سياسية ودينية متطرفة خصوصا في خطبة يوم الجمعة، وهذا دور يختلف كُليًا عن دورهم الديني ويخرج عن نطاق سياسة الأقطار العربية، وهذا لا يعني أن الدولة تعمل على عرقلة أو وقف الشعائر الدينية، بل هي تدعمها وتساندها وتضع الكثير من الأموال لخدمة دور العبادة ولإقامة هذه الشعائر على طوال العام دون كلل ولا ملل، لكونه جزءا لا يتجزأ من مهام ودور الدولة في رعاية دور العبادة والخطباء والشعائر الدينية.
إن صفات الوقار والاستقامة والمروءة يجب أن يتحلى بها خطباء دور العبادة، بجانب الالتزام بأصول العقيدة الدينية ومن بينها الابتعاد عن السياسة مراعاة لحرمة الأماكن المخصصة للعبادة. بما يؤدي إلى بناء مجتمع متراص متضامن ومتمسك بمقوماته الروحية، ومبتعد عن كل تعصب أو غلو أو تطرف ديني. ولا يعني فصل الدين عن السياسة فصل الدين عن الدولة فهما أمران مختلفان كليًا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .