العدد 2007
الأحد 13 أبريل 2014
وراء الجدران.. صرخة طفل هدى هزيم
هدى هزيم
الناس
الأحد 13 أبريل 2014

الجريمة البشعة التي حدثت مؤخراً في مدرسة البلاد القديم الإعدادية للبنين، تعود بنا من جديد حول قضية في غاية الأهمية والخطورة،  وهي جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي في الأطفال والمسكوت عنها في مجتمعنا.
الضحية تعرض للاغتصاب مراراً داخل سور المدرسة، وكان يستدعى من قبل الجناة بحجة أن المرشد الاجتماعي يريده، ويسمح له بالخروج من الحصة الدراسية دون التحقق من الامر ودون إذن رسمي. هذا الموقف بحد ذاته يكشف عن ضعف الرقابة وعدم تحمل إدارة المدرسة مسئوليتها الإشرافية والتربوية تجاه الطلبة.
وزارة التربية فصلت الطالب الجاني من المدرسة، وأفادت بأنها حولت المجنى عليه إلى مركز الإرشاد النفسي، وفي اليوم الثاني لنشر القضية بتاريخ 10 أبريل 2014 نفت إدارة مركز حماية الطفل التابع لوزارة التنمية الاجتماعية أي تواصل مع وزارة التربية والتعليم. وأكدت إدارة المركز بأنها تستقبل عددا كبيرا من حالات الاغتصاب سنويا سواء في المدارس أو البيوت المهجورة أو منازل الضحايا. مشيرين إلى أسباب انتشار هذه الحوادث، وهو الانفتاح التكنولوجي دون رقابة وإشراف وضعف الوازع الديني وغياب الدور التوجيهي والتربوي من قبل بعض الأسر.
وأتساءل بحيرة واستغراب هل المشكلة تنتهي بفصل الطالب المعتدي؟ وإلى متى السكوت والتستر على هذه المشاكل والحوادث الخطيرة؟
مركز حماية الطفل له جهود في متابعة الضحايا، ولكنها تظل محدودة وغير مكتملة بسبب ضعف الإجراءات فيما يخص متابعة الحالات وتوثيقها بالأدلة وغياب التشريعات الرادعة للجناة والضعف في تطبيق القوانين الحالية. وفي النهاية الطفل هو الضحية.
الحادثة بكل تفاصيلها المؤسفة تكشف عن قصور كبير في تحمل المسئولية تجاه النشء سواء في المدارس أو من قبل أولياء الأمور، كما تكشف القضية جانبا مهما، وهو النقص المعرفي والتوعوي لدى أولادنا حول كيفية حماية أنفسهم من تلك الجرائم.
كثيرا ما يرد إلى مسامعنا من أولياء أمور وعاملين بالمدارس، بأن مشاكل التحرش والاعتداءات الجنسية موجودة بين الطلبة، خصوصا في مدارس البنين. ولكن تظل الحقيقة مخفية، بسبب غياب الشفافية وعدم الاعتراف بوجود المشكلة، وعدم وجود برامج ومحاضرات توعوية لحماية الطلبة. ناهيك عن عدم وجود سياسات وإجراءات واضحة وثابتة لرصد تلك المشاكل وتحليلها والتصدي لها ومعالجتها بالشكل الصحيح.
انعدام الجانب التوعوي والإرشادي في المدراس، والتأثيرات السلبية لغيابه أو القصور فيه، خصوصاً مع ارتفاع نسبة حدوث تلك الجرائم في المدارس، قضية ساخنة ومهمة لابد أن يتناولها كبار المسئولين بوزارة التربية بالشراكة مع الجهات المختصة وأولياء الأمور ووضع الحلول العاجلة لها.
لا توجد لدينا أرقام رسمية نستند إليها، وإنما أحاديث وهمسات من الأهالي، فإذا لم تحدث فضيحة تكشف أمر الجاني او المجني عليه كما حدث مع الطالب في مدرسة البلاد القديم، فإن الجريمة تبقى في طي الكتمان والنسيان.
القضية تطرح مجددا أهمية وجود منهج دراسي عن التثقيف الجنسي؛ لتوعية الطلبة في المرحلة الابتدائية والاعدادية عن المخاطر الممكن التعرض لها وأساليب المتحرشين، وكيفية حماية أنفسهم من الغرباء ومن زنا المحارم. فلا أحد ينكر تزايد حالات التحرش وزنا المحارم في السنوات الأخيرة. والاعتراف بالمشكلة هو نصف حلها.
حماية الأطفال ووقايتهم تبدأ بتمرير رسائل للوقاية من التحرش بأسلوب تربوي صحيح، وهذه مهمة صعبة لابد أن تتولاها المدارس وأولياء الأمور وبأسلوب علمي صحيح. الطفل من عمر أربع سنوات إلى سن المراهقة بحاجة ماسة لمعرفة قدسية جسده وعدم السماح لأي شخص مهما كانت علاقته به بلمسه، وأن يعرف ما هو مسموح وما هو غير مسموح وتدريبه على القدرة لقول (لا) لأي موقف لا يرتاح له أو حتى الصراخ؛ للاستنجاد بالغير أو طلب المساعدة من كبير يثق به، والحذر وتجنب التحدث إلى الغرباء، وأنواع التحرش وصفات المتحرشين. وتلك المعرفة يجب أن يكتسبها الطفل بالتدرج وبأسلوب خاص من قبل التربويين وذويه. وأرى بأن أولياء الأمور بحاجة أيضا إلى وعي وتثقيف ليكونوا مؤهلين لهذه المهمة، وعلى دراية تامة حول أفضل أساليب الرقابة وكيفية توفير الحماية لأودلاهم وتوجيههم. وهي الحلقة المفقودة.
نطالب بتوفير برامج تربوية وإجراءات لتوعية الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين بالمدراس، وذلك سيشكل جدارا سميكا يمنع وقوع تلك الحوادث المأساوية ويقلل نسبتها بشكل كبير. وتلك مسئولية كبيرة تقع على وزارة التربية والتعليم. ونأمل أن تكون مأساة الطالب “الضحية” دافعاً قوياً لتحرك المسئولين بالتربية والجهات الأخرى المختصة نحو تصحيح الأوضاع في المدارس، وصدور قرارات عالية المستوى تضع السياسات والحلول المناسبة؛ لمواجهة المشكلة والتصدي لهذه الظاهرة المؤسفة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية