العدد 2091
الأحد 06 يوليو 2014
الدم الفلسطيني المستباح
ستة على ستة
الأحد 06 يوليو 2014

قد يبدو الحديث عن خطف وقتل فتى فلسطيني غير مثير للاهتمام في ظل مشهد عربي مأساوي تسيطر عليه مثل هذه القضايا والأحداث في كل مكان حتى بدت وكأنها هي القاعدة، وأن الاستقرار والأمن والهدوء من قبيل الاستثناءات.
ورغم ذلك، يظل للشأن الفلسطيني طبيعته الخاصة ليس لكونه قضية العرب الأولى كما كنا نظن، وإنما لما يتعرض له الشعب الفلسطيني من احتلال صهيوني متجبر وممارسات إسرائيلية بشعة كان اليسير منها كافيًا لتجييش الجيوش العربية لنصرة القضية الفلسطينية، ولكن هيهات هيهات أن تسمع هذه الجيوش أنات وصرخات أبناء الشعب الفلسطيني، وهي مشغولة ومنهمكة في تطورات غير طبيعية واشتباكات غير مألوفة على الإنسان العربي بصفة عامة.
محمد حسين أبو خضير، ذلك الفتى الفلسطيني صاحب الستة عشر ربيعًا، وأثناء توجهه لصلاة الفجر بمسجد شعفاط يوم الأربعاء الماضي (3 /7/2014)، تم اختطافه من قبل خمسة مستوطنين توجهوا به للقدس الغربية وقاموا بحرق جثته بعد تعذيبه كرد فعل مباشر وانتقام سريع بعد العثور على جثث ثلاثة مستوطنين إسرائيليين (نفتالي فرنكل وجلعاد شاعير وإيال يفراخ) اختفوا منذ 12 يونيو الماضي.
إن الخطورة ليست في الأحداث التي وقعت سواء خطف مستوطنين إسرائيليين ثم العثور على جثثهم، أو في رد الفعل بقتل فتى فلسطيني والتمثيل بحثته، وإنما الخطورة فيما هو آت من تطورات، بعد أن بات الصراع مفتوحًا على مصراعيه لجميع السيناريوهات، ومن بينها الغزو الإسرائيلي لغزة، أو اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، وهو بالنهاية ما يؤدي إلى مواجهات مفتوحة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
الخطورة أيضًا في طبيعة المرحلة التي تمر بها القضية الفلسطينية في ظل عدم الاهتمام واللامبالاة العربية بتلك القضية التي تراجعت في سلم الأولويات ووضعت الفلسطينين مباشرة في وجه المدفع الإسرائيلي الذي قام بمنح الضوء الأخضر للمستوطنين لممارسة العنف والقتل دون خوف من حساب أو عقاب، وهو الأمر الذي حذرت منه مؤسسة حاخامين لحقوق الإنسان الإسرائيلية نفسها التي أكدت وجود مجموعات متطرفة من المستوطنين والجيش الإسرائيلي تنشط عبر وسائل الإعلام وتدعو لقتل الفلسطينيين تحت شعار “دفع الثمن”، وأن الدم الفلسطيني أصبح مستباحا.
إسرائيل التي تجاهلت مقتل الفتى الفلسطيني وزعمت أنها لا تزال تحقق في الأمر قامت بإرسال آلاف من الجنود إلى بلدة “حلحول” قرب الخليل جنوب الضفة الغربية، والتي شهدت مواجهات بين شبان فلسطينيين والجيش الإسرائيلي بعد العثور على جثث المستوطنين الثلاثة المفقودين وقامت بغلق حدود البلدة وأعلنتها منطقة عسكرية، ومنعت الدخول إليها أو الخروج منها، وقامت بعمليات إنزال بطائرات مروحية لأعداد كبيرة في منطقة الصفا، حيث عثر على الجثث.
ونفذ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تهديده ووعيده لحركة حماس “بدفع الثمن”، وذلك بعد أن حملها مسؤولية اختطاف وقتل ثلاثة مستوطنين، حيث قامت الطائرات الإسرائيلية بالفعل في 30 يونيو بسلسلة من الغارات على قطاع غزة، وشنت حملة عسكرية ومداهمات على قطاع غزة والضفة الغربية، كما قامت باقتحام مخيم جنين في الضفة الغربية، واعتقلت بعض الشباب الذين تقول السلطات الإسرائيلية أنهم على علاقة بحادث مقتل المستوطنين الثلاثة، كما قامت بتفجير منزلي مروان القواسمي وعامر أبو عيشة الذين تتهمهما السلطات الإسرائيلية بقتل المستوطنين.
وتجسد طريقة هدم المنازل استهانة إسرائيل بالقيم الأخلاقية والإنسانية، فوفقًا لبعض الروايات قامت قوات كبيرة من جيش الاحتلال بمحاصرة منزل عامر أبو عيشة مع ساعة الإفطار، وحبست جميع الأطفال والنساء في غرفة واحدة لأكثر من أربع ساعات، ثم أخرجتهم جميعا إلى بيت مجاور، وفجرت الشقة السكنية.
هذه الأحداث التي لا نجد لها ذكرًا أو اهتمامًا إلا قليلا، أثارت غضب وتحذيرات منظمة بتسيلم الإسرائيلية التي أكدت أن عملية هدم المنازل عملية انتقامية وغير قانونية تستهدف أبرياء، وتنافي الأعراف والمواثيق الدولية، وتعني تصويب وتكريس سياسة مرفوضة استخدمت كإجراء عقابي طوال سنوات الاحتلال، مشيرة إلى أن ضباطا وقيادات بالجيش أقروا في السابق بأن سياسة الهدم غير مجدية في ردع الفلسطينيين، بل على العكس يمكن أن تكون عامل تحريض يزيد العنف ضد الجانب الإسرائيلي، ولذلك توقف الاحتلال عنها منذ العام 2005.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية