العدد 1993
الأحد 30 مارس 2014
العلاقات السعودية الأميركية
ستة على ستة
الأحد 30 مارس 2014

تعد العلاقات السعودية الأميركية نموذجًا لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين الدول العربية وغيرها من دول العالم، حيث إنها تتسم بالندية والمصالح المتبادلة والحرص المشترك على استمرار هذه العلاقات، وعدم التضحية بها مهما كانت الخلافات والتباينات في المواقف ووجهات النظر باعتبار أنها من الأمور الواردة والمسموح بها في العلاقات بين الدول.
وما يثيره بعض الباحثين والمحللين من وجود نوايا سعودية في الاستغناء عن الحليف الأميركي يفتقر إلى الدقة والمعرفة الكافية بفنون العلاقات الدولية التي تسمح للفاعلين الدوليين والرئيسيين بهامش كبير من المناورة واستخدام الكثير من الأوراق بقصد توجيه رسائل للأطراف الأخرى وإشعارها بخطر ما إذا ما استمرت في موقف ما تجاه قضية معينة.
هذا بالضبط ما لجأت إليه المملكة العربية العربية في الفترة الأخيرة في محاولة منها لتعديل سياسات ومواقف دولية تبتعد كثيرًا عن الموقف العربي وخاصة فيما يتعلق بالأزمة السورية والملف النووي الإيراني، فضلاً عن القضايا التقليدية وعلى رأسها الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ما جعل السعودية تعتذر عن عدم قبولها العضوية بمجلس الأمن الدولي في رسالة تؤكد انحياز منظمة الأمم المتحدة لأطراف دون أخرى.
ورغم كل ذلك، تظل السعودية من أهم الشركاء الاقتصاديين والسياسيين لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط، ويعتبر البلدان من أقدم الحلفاء في الشرق الأوسط الحديث، ولكل منهما مصالح حيوية لدى الطرف الآخر تفرض ضرورة الحفاظ على هذه العلاقات. 
تدرك السعودية جيدًا أن الولايات المتحدة الأميركية هي الفاعل الأهم في النظام الدولي الراهن، وهو ما يجعل استمرار العلاقات الثنائية أمرًا حتميًا حتى مع انحراف السياسات الأمريكية واتخاذها مواقف لا تنسجم مع المواقف العربية، إلا أن الرياض تحاول جاهدة التأثير على تلك السياسات وتوجيهها لما يخدم المنطقة العربية، وهي مهمة صعبة تتطلب تكاتف عربي قوي يمكن أن يفرض كلمته على أي طرف إقليمي أو دولي، وهو أمر غير متوافر حاليا في ظل حالة الضعف والتشرذم العربي، فضلاً عن غلبة “القطرية” وانكفاء الكثير من الدول على ذاتها، وعدم اكتراثها بتطورات الأوضاع خارج حدودها إما لانشغالها الشديد بما يحدث فيها من تطورات خطيرة وأحداث جسيمة كما في مصر وتونس وليبيا أو لعدم إيمانها وضعف تمسكها بالرابطة العربية واتجاهها نحو تقوية العلاقات مع دول أخرى تحاول توتير الساحة العربية، وإشعال الفتن والخلافات فيها كما هو حال العراق حاليا الذي يبدو أنه انسلخ من محيطه العربي واقتنع بالخضوع والاستسلام التام لدولة إيران.
أميركا من جانبها تعرف هذه الحقائق وتتعامل على أساسها وتسعى هي الأخرى لتحقيق مصالحها الإستراتيجية والأمنية والنفطية بالترهيب في غالب الأحيان وبالترغيب في استثناءات قليلة ما جعلها مصممة على الاستمرار في التفاوض مع طهران إلى أن توصلت لاتفاق نووي أثار قلقا شديدًا في المنطقة، في الوقت الذي تراجعت فيه عن تشددها في الأزمة السورية، وترتد على عقبيها بعد أن كانت على وشك توجيه ضربة عسكرية لنظام الطاغية “بشار الأسد” بعدما استخدم الأخير الأسلحة الكيماوية في شهر أغسطس من العام 2013 ضد المدنيين واخترق “الخطوط الحمراء” المسموح له بها على حد تعبير الرئيس باراك أوباما، فإذا بها تروج الآن لطوق النجاة في هذه الأزمة، وهو بقاء بشار الأسد في السلطة باعتباره الوحيد القادر على مواجهة الإرهاب الذي انتشر والعنف الذي ساد المناطق السورية، بينما تسعى السعودية إلى إسقاط نظام بشار منذ العام 2012.
وبناء على ما تقدم، فإنه من المستحيل أن تنجح زيارة الرئيس الأمريكي أوباما في إحداث تغيير جذري أو حتى كبير في طبيعة تلك العلاقات التي تربط بين الرياض وواشنطن أو نفي حقيقة وجود الكثير من التباينات بينهما تجاه الكثير من القضايا ما يصعب إيجاد أرضية مشتركة بين البلدين إزاء هذه القضايا دون أن يصل الأمر إلى الانفصال بين الدولتين، وبحث كل منهما عن شريك آخر، فالعلاقات ستستمر على ذات المنوال الذي تسير عليه حاليا، أي مع بقاء الخلافات قائمة ودون التوصل إلى حلول لتمسك كل طرف بمواقفه التي يعتقد أنها تحقق مصالحه.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .