أقرت صحيفة الاندبندنت في افتتاحيتها بعددها الصادر الجمعة 21 مارس الجاري أن الحرب على الإرهاب فشلت، وأن الغرب يتحمل جزءًا من المسؤولية، مشيرة إلى أن الجماعات الإسلامية “المتشددة” القريبة من تنظيم القاعدة تسيطر على أقاليم تفوق مساحتها مساحة بريطانيا، وذلك غربي العراق وشرقي سوريا، وأفغانستان وفي الصومال.
وقالت الصحيفة “إن الدول الغربية رفعت شعار محاربة الإرهاب لتشن حروبا في العراق وأفغانستان، وأنفقت أموالا ضخمة، وقوضت الحريات وانتهكت حقوق الإنسان، وتغاضت عن التعذيب والاحتجاز دون محاكمة، والتجسس على بيوت الناس، لكنها فشلت في تحقيق الهدف”.
والحقيقة أن ما ذهبت إليه الصحيفة البريطانية يمثل شهادة من أهل الدول التي شاركت وكانت حليفًا مخلصًا للدولة الأميركية التي شنت ما أطلق عليه “الحرب ضد الإرهاب”، وذلك عقب تفجيرات 11 سبتمبر من العام 2001م التي ضربت الأراضي الأميركية وكشفت عن عورات كثيرة في السياسة الأميركية والغربية عمومًا تجاه باقي دول العالم وتحديدًا المسلمين.
أصابت الصحيفة البريطانية في جوانب وأخطأت في أخرى، وتجاهلت جوانب أكثر أهمية في أسباب فشل الحرب ضد الإرهاب، فقد صدقت الصحيفة عندما أكدت أن المقصود بالحرب ضد الإرهاب هو الحرب في أفغانستان والعراق تحديدًا، وفي سبيل ذلك كانت الغاية تبرر الوسيلة حتى لو كانت غير مشروعة وعبر خداع المجتمع الدولي أو ترهيبه.
لكن الصحيفة جانبها الصواب في جوانب عدة، أهمها أنها زعمت أن السعودية كان لها دور مهم في صعود نجم تنظيم القاعدة، مستشهدة بهجمات 11 سبتمبر، حيث كان عدد مختطفي الطائرات 19 عنصرا، 15 منهم سعوديون، وتناست الصحيفة أن هذا التنظيم هو صناعة مخابراتية أميركية بالأساس لكنه انقلب عليها بعد أن انتهى من مهمته الأساسية في مواجهة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان.
كما أن تحميل الغرب جزءا - وليس كلا - من مسؤولية الفشل في الحرب ضد الإرهاب هو أمر فيه محاولة للهروب من المسؤولية وإلقاء اللوم على الآخرين، وهي محاولة غير مقبولة؛ لأن الحرب من بدايتها لنهايتها تتحمل مسؤوليتها أميركا والغرب خصوصا أن مشاركة الآخرين كانت صورية كضيوف شرف في مهرجان قتل وتدمير بلدان عربية وإسلامية.
لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه، وهو ما لم تعترف به واشنطن التي جن جنونها بعد تفجيرات 11 سبتمبر وراحت تستثمر هذه الهجمات في إعادة فرز للنظام الدولي وأعلنها بوش منذ البداية “من ليس معنا فهو ضدنا” في تلك الحرب المزعومة ضد الإرهاب.
إذن أساس الفشل كان البداية الخاطئة والسياسة الانتقائية والضربات العشوائية والقرارات الانتقامية التي كانت جميعها موجهة ضد دول عربية وإسلامية وكانت بعيدة عن غيرها من الدول، وكأن هذا الإرهاب هو لصيق الصلة بعالمنا العربي والإسلامي.
وكان واضحًا أيضًا المبالغة الشديدة في رد الفعل الأميركي، إذ لم يكن كافيًا توجيه ضربات والقضاء على زعيم وأعضاء تنظيم القاعدة الذي أعلن مسؤوليته عن تفجيرات سبتمبر، بل تطلب الأمر اكتساح وتدمير دولة أفغانستان الحاضنة لزعيم التنظيم، واحتلال دولة أخرى هي العراق وتحويلها إلى شبه دولة فاقدة لاستقلالها غير متحكمة في قرارها.
وتحت مسمى الحرب ضد الإرهاب، راحت واشنطن تنشر الإرهاب والفوضى في كل مكان تحت شعارات مختلفة في سياق نظرية الفوضى الخلاقة التي نجحت أميركا في تحقيقها على أرض الواقع العربي والشرق أوسطي بل والدولي أيضًا كما يحدث في أوكرانيا حاليا حيث تسببت التدخلات الأميركية والغربية حتى الآن في انسلاخ شبه جزيرة القرم عن أوكرانيا.
وكان واضحًا أن النية الأميركية مبيتة في إشعال هذه الحروب وإحداث هذه القلاقل، ولذا حرصت على إبقاء مفهوم الإرهاب غامضًا وفضفاضًا يضيق ويتسع وفقًا لهواها وحسب مصلحتها، فالسلوك ذاته هو هنا إرهاب مرفوض يجب أن يحارب بينما هناك هو دفاع مشروع عن النفس ومقاومة معترف بها قانونًا لابد أن يتم دعمها.
لم تجد واشنطن من يرفع راية العصيان أو حتى النصح والإرشاد خوفًا من أن يتهم بأنه في صفوف الإرهابيين وفقًا للمفهوم الأميركي، فسارعت جل الدول إلى إظهار حسن نواياها باتخاذ إجراءات لإرضاء هذا “الغول” الأميركي الغاضب حتى لا يكون ضمن القائمة “السوداء” التي وضعتها واشنطن لنشر الفوضى والإرهاب فيها وباتت كل الدول “حائرة “ بين ما ينبغي أن تفعله وفقًا لمصلحتها الحقيقية وبين ما يجب أن تفعله خضوعًا للرغبة الأميركية، فوصلنا إلى ما نراه حاليا من إرهاب ودمار منتشر في بلدان عربية وإسلامية كثيرة حدثت بفعل فاعل ومع سبق الإصرار والترصد.