العدد 1846
الأحد 03 نوفمبر 2013
ســــرقـــة وطـــن
ستة على ستة
الأحد 03 نوفمبر 2013

في الوقت الذي تسابقت الدول الغربية “كلاميًا” وعبرت عن أسفها لتسريع الاستيطان الإسرائيلي غير الشرعي وغير القانوني، لم نسمع صوتًا عربيًا واحدًا في أعقاب موافقة رئيس وزراء الكيان الصهيوني “بنيامين نتنياهو” الأربعاء الماضي (30 أكتوبر) على أربعة مخططات لبناء 1500 وحدة سكنية في حي “رمات شلومو” بالقدس الشرقية.
لقد بدا الأمر على خطورته وجسامته وكأنه روتينيًا عاديًا لا يثير غيرة قومية ولا جامعة عربية ولا دولا قطرية، وكاد أن يمر دون أن نسمع عنه أو نشعر به لولا هذه الانتقادات الدولية “الديكورية”، والتي تؤكد مسلمات معروفة وبديهيات محفوظة لا تلقى لها إسرائيل بالاً ولا تسعى أو لا تستطيع الدول العربية فرضها، من قبيل أن المستوطنات غير شرعية في نظر القانون الدولي، وأنها تعرقل عملية المفاوضات وتحول دون التوصل لتسوية سياسية، وأنها مدمرة لجهود إحلال السلام.
وفي حين دعا مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، “ريتشارد فولك” الشركات المالية والعقارية الدولية العاملة في المستوطنات الإسرائيلية إلى الانسحاب من مشاريع البناء التي تنتهك القانون الدولي، يفرض حصارًا حديديًا على الفلسطينيين لتجويعهم وقطع الإمدادات الغذائية ومواد البناء عنهم عقابًا لهم من بني جلدتهم على مقاومتهم للعدو الإسرائيلي، وإصرارهم على حقوقهم المشروعة.
والمفارقة أن الخطوة الإسرائيلية التي - على ما يبدو - أنها لم تكن بالقوة الكافية التي تحرك المشاعر العربية، استفزت “حركة السلام الآن” الإسرائيلية غير الحكومية التي أضافت بعدًا حزينًا لهذه الخطوة، عندما أكدت أن بناء نحو 1500 وحدة سكنية جديدة في حي رمات شلومو بالقدس الشرقية، سيتم في منطقة حساسة ليست بعيدة عن حوائط المدينة القديمة في القدس الشرقية. وقال المتحدث باسم الحركة “ليور اميهاي”: “من يعلن أنه يريد أن يتوصل إلى حل إقامة دولتين، ولكن في نفس الوقت، يشجع خططًا في مناطق حساسة مثل سيلوان، إضافة إلى مستوطنات معزولة بشدة لن تكون تحت السيادة الإسرائيلية في أي اتفاق، لا يبدو حقا أنه يؤيد حل الدولتين”.
معنى ذلك أن ما يجري هو سرقة لوطن على مرأى ومسمع جميع دول العالم، ويؤكد الاستهتار الإسرائيلي بالمشاعر الفلسطينية؛ ليقينها بضعف أو حتى غياب رد الفعل العربي، وهو ما يتضح فيما يلي:
- أكدت إسرائيل أن مشروعات بناء وحدات سكنية جديدة ستعلن قريبا في الكتل الاستيطانية بالضفة الغربية المحتلة، التي تريد إسرائيل الاحتفاظ بها في إطار أي اتفاق سلام بالمستقبل، وأنها ستواصل خلال الأشهر المقبلة الإعلان عن البناء في الكتل الاستيطانية وفي القدس، وأن السلطات المختصة أصدرت الرخص اللازمة لإنجاز أربعة مشاريع استيطانية، منها تشييد 1500 وحدة سكنية جديدة في مستوطنة “رامات شلومو” في القدس المحتلة. كما صدقت الحكومة الإسرائيلية على تطوير مركز سياحي وآثاري يقع قرب بلدة القدس القديمة، إضافة إلى خطة لإنشاء متنزه على جبل المكبر داخل حرم الجامعة العبرية.
- تؤكد إسرائيل أنها ستضم أهم المستوطنات اليهودية الواقعة في أغلبها على الحدود الإسرائيلية، في أي اتفاق توقعه مع الفلسطينيين. ويعيش نحو 500 ألف يهودي في أكثر من 100 مستوطنة بنيت منذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية والقدس الشرقية في عام 1967 وسط 2.5 مليون فلسطيني. ويرغب الفلسطينيون في إقامة دولتهم المرجوة على هذه المناطق إضافة إلى قطاع غزة.
- كشف تقرير لمنظمة “السلام الآن” الإسرائيلية عن زيادة بنسبة 70 % في ورش البناء الاستيطاني بالضفة الغربية والقدس الشرقية خلال النصف الأول من السنة الجارية مقارنة مع الفترة ذاتها من العام 2012. وبحسب هذه المنظمة غير الحكومية بدأ بناء 1708 وحدات سكنية بين يناير ويونيو 2013 مقابل 995 عام 2012.
- غالبا ما يتزامن الإعلان الإسرائيلي عن بناء مستوطنات جديدة مع زيارات لمسؤولين أميركيين، ما يعطي رسالة واضحة بالتفاهم بين الجانبين، بل والتواطؤ الأميركي في هذا الأمر رغم التصريحات المنددة الصادرة عن البيت الأبيض عقب كل إعلان إسرائيلي بشأن المستوطنات، في الوقت الذي نضع فيه نحن العرب كل آمالنا على هذا “الصديق “ و”الحليف” الأميركي.
- جاء الإعلان الإسرائيلي عن خطط بناء مستوطنات جديدة بعد ضجة إسرائيلية مثارة حول مشروع قانون بالكنسيت مثير للجدل يمنع أي تنازلات إسرائيلية عن القدس في إطار أي اتفاق سلام مستقبلي. وينص مشروع القانون على أنه لن تكون هناك مفاوضات حول وضع القدس، وهي من أكثر القضايا الشائكة في النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، قبل الحصول على موافقة مسبقة من ثلثي أعضاء البرلمان (الكنيست)، أي 80 عضواً من أصل 120.
وختامًا، فقد ترددت أنباء بأن وزير الخارجية الأميركي “جون كيري” اقنع نتنياهو بإطلاق سراح السجناء الفلسطينيين بعد أن وافق رئيس السلطة الفلسطينية “محمود عباس” على التخلي عن شرط وقف بناء المستوطنات قبل أن يشارك في مفاوضات السلام.
فهل باتت فلسطين وكأنها “أرملة” معدمة تعول عدد كبير من الأولاد ولا تجد عونًا من جار أو قريب أو صديق فتلجأ إلى بيع أولادها واحدًا تلو الآخر حتى تستطيع العيش والصرف على باقي الأولاد، فمثل هذه الأرملة ستجد نفسها حتمًا وحيدة وقد باعت كل أولادها، وأن ما كانت تعتقد أنه من أجل توفير الحياة لعائلتها كان هلاكًا لهم جميعا.
والسؤال الآن: هل اللوم والعتاب على هذه الأرملة التي لم تجد بُدًا من بيع أولادها؟ أم على الجيران والأهل والأصحاب الذين تركوها تواجه المآسي والأوجاع، وبدلاً من أن يكونوا لها سندًا وعونًا أداروا ظهورهم عنها وكانوا صما بكما عميا عمّا ألمّ بها؟

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .